المصاحف، ومرجعا إلى جانب المصاحف المنسوخة لمن أراد أن ينسخ مصحفا، ثم نصل إلى مرحلة متقدمة حين نجد العلماء يقارنون بين رسم بعض الكلمات في مختلف مصاحف الأمصار: المدينة والمكية ومصاحف أهل الشام والعراق.
ورغم أن المؤلفات الأولى في رسم المصحف لم يصل إلينا منها شيء فإن الكتب التي ترجع إلى فترات متأخرة نسبيا قد نقلت ما جاء في تلك الكتب رواية، فنجد المؤلف يسند ما يذكره في كتابه إلى الأئمة المتقدمين، إضافة إلى ما قد يدوّنه هو من ملاحظته ونقله عن مصاحف عصره.
وقد ظهر في كل مصر من الأمصار إمام روى ما ورد في مصحف بلده، إذ إن أئمة القراءة كانوا يروون كيفية رسم الكلمات، إلى جانب روايتهم للقراءة. وكما كانت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم دارا للسنة كانت قبل ذلك ومعه دارا للقرآن قراءاته ورسمه. فكان ممن روي عنهم الرسم من أهل المدينة عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، (ت 117أو 119هـ) نزيل الاسكندرية [1] ، إلا أن إمام المدينة في الرسم هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، أبو رويم، (ت 169هـ) أحد القراء السبعة الأعلام، قرأ على سبعين من التابعين [2] ، فكان أهم من اعتمد عليه في نقل الرسم [3] . وذلك لأنه ولد بالمدينة، وأقرأ الناس بها بكثير من القراءات، وعاش عمرا طويلا، وكان المصحف الذي أعطى عثمان رضي الله عنه لأهل المدينة لا يزال عنده، فبكثرة مطالعته له ومواظبته إياه تصوّره في خلده، فلم تؤخذ حقيقة الرسم إلا عن نافع [4] .
وكان نافع قد قرأ عليه وروى عنه خلق كثير [5] ، إذ إنه أقرأ الناس دهرا طويلا، نيفا عن سبعين سنة، وانتهت إليه رئاسة القراءة بالمدينة، وذكر له ابن الجزري نحوا من ستة
(1) انظر الداني: المقنع، ص 40.
(2) انظر الذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 89. وابن الجزري: غاية النهاية، ج 2، ص 330.
(3) انظر العقيلي: لوحة 9.
(4) اللبيب (أبو بكر بن أبي محمد عبد الله المشهور باللبيب) : الدرة الصقيلة في شرح العقيلة، مخلوط في مكتبة الجامع الأزهر، ورقة 19/ أ.
(5) الذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 90.