وليس الهدف هنا تفصيل ذلك التاريخ أو استقصاء كل ما تقدمه المصادر المتاحة في هذا المجال، إذ إن ذلك يحتاج إلى مكان أوسع مما تسمح به طبيعة هذا البحث، وإنما أكتفي بما يحقق القصد الذي أشرت إليه وهو معرفة العلاقة بين القراءات وبين الرسم العثماني، وما سأذكره إنما هو نتيجة للمعلومات التي توصلت إليها ولا أدري ما ستكون عليه صورة ذلك العرض إذا ما توفرت روايات وأخبار جديدة تؤيد أو تصحح ما سأذكره، ولست بوقّاف عند رأي يظهر خطؤه ولا معرض عن رأي جديد تظهر صحته إن شاء الله.
إن بداية ذلك التاريخ مرتبط ببداية نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلاوته القرآن على الناس بمكة، فكانت تلاوة القرآن أولى وسائل الدعوة التي كان يلقى بها النبي صلى الله عليه وسلم الناس في المواسم، فكان يدعوهم ويقرأ عليهم القرآن [1] ، وكان الداخلون في الإسلام يقرءون القرآن أو يتلى عليهم لمعرفة أركان الإسلام ومتطلبات الإيمان من جانب، ويتلونه للتعبد من جانب آخر [2] ، وكان رسول الله يحثهم على ذلك بمثل قوله: «تعاهدوا هذا القرآن فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلّتا من الإبل في عقلها» [3] ، أو مثل قوله الذي ورد في حديث عثمان «أفضلكم (وفي لفظ خيركم) من تعلم القرآن وعلمه» [4] .
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه الصحابة الذين أتقنوا القرآن عنه أن يقرءوا الداخلين في الإسلام، إذ لم يكن يجد الفرصة دائما ليتلو هو على كل المسلمين خاصة بعد أن كثروا، فقد أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة بعد بيعة العقبة قبل الهجرة: «وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمّى المقرئ بالمدينة، مصعب» [5] ، وإذا دخل رجل في الإسلام دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة، وقال لهم:
«فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه وعلّموه القرآن» [6] ، ولعل مما يصور جانبا من ذلك الحرص على أن يتعلم كل مسلم القرآن حديث الصحابي عبادة بن الصامت، قال [7] :
(1) انظر مثلا: ابن هشام، ق 1، ص 433.
(2) روى الحاكم (المستدرك، ج 1، ص 555) حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف لام ميم) وقال عنه: صحيح الإسناد.
(3) مسلم: ج 1، ص 545.
(4) البنا الساعاتي: ج 18، ص 5، وتخريجه ثمة، وانظر أيضا أبو حيان: البحر المحيط، ج 1، ص 12.
(5) ابن هشام: ق 1، ص 434، وانظر علم الدين السخاوي: الوسيلة، ورقة 6 أ.
(6) الطبري: التاريخ، ج 2، ص 274. وقد قال علم الدين السخاوي (الوسيلة، ورقة 6 أ) «كان صلى الله عليه وسلم إذا أسلم الرجل أمره بقراءة القرآن قبل كل شيء» .
(7) البنا الساعاتي: ج 18، ص 9، وذكر تخريجه: «أبو داود في سننه وابن ماجة، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه (البخاري ومسلم) وأقره الذهبي» .