ويبدو أن ذلك الشكل لاتصال الألف باللام يرجع استخدامه إلى تاريخ قديم بل ربما يكون أثرا من آثار أشكال اتصال الحروف النبطية التي عجزت حركة تطور الكتابة النبطية إلى الكتابة العربية عن تغييرها، فظلت هذه الصورة لاتصال الألف باللام تخالف طريقة ارتباط الألف بأي حرف آخر من حروف العربية، فلو تأملنا طريقة رسم الألف في نقش النمارة مثلا لوجدناه على شكل رقم (6) في الأرقام المستعملة في الكتابة العربية في بلدان المغرب، وفي الكتابات اللاتينية هكذا (6) ، ولو تأملنا رسم اللام في نقش النقش لوجدناه يشبه نوعا ما اللام العربية المتوسطة، ومن ثم فمن المتوقع عند اتصال الألف باللام في الكتابة النبطية أن يجيء الشكل هكذا (لا) . وهو ما نجده فعلا في نقش النمارة في كلمة (الأسدين) في السطر الثاني، ومن ثم فإن شكل اتصال الألف باللام في الكتابة العربية هو من بقايا أشكال اتصال الحروف النبطية يؤكد ذلك أن هذا الشكل نجده في نقش زبد (سنة 512م) ونقش أم الجمال الثاني الذي يرجع إلى أواخر القرن السادس، وربما حافظت الكتابة العربية على هذا الشكل لأن رمز الألف تطور في الكتابة العربية إلى شكل يشبه رمز اللام، فيكونان إذا التقيا شكلا لم يقبله ذوق الكتّاب
في تلك الفترة المتقدمة.
ولما كان استخدام شكل اللام ألف (لا) بهذا القدم، وأنه خلال هذه القرون الطويلة لا بد أنه قد اكتسب صفة الثبوت في الشكل حتى أصبح الكتاب حين يريدون كتابة اللام متصلة بالألف لم يعودوا يفكرون بأي الحرفين يبدءون فإنه من المحتمل جدا أن الكتاب حين يريدون إلحاق اللام في أول كلمة تبدأ بألف لا يتبادر إلى أذهانهم ولا تجري أقلامهم إلا بهذا الشكل القديم الشائع المشهور لاتصال اللام بالألف (لا) فيلحقونه أمام الكلمة المراد إلحاق اللام بها دون أن يحذفوا رمز الألف الذي كان في أول الكلمة والذي صار أحد طرفي شكل (اللام ألف) . ومن هنا استقر رمز الألف بعد اللام ألف في بعض الكلمات دون أن يكون لحركة الهمزة أي دخل في هذه الظاهرة، ومما يساعد على تصور ذلك أن تركيب اللام مع الألف في أول هذه الكلمات لا يعد شكلا كتابيا مستقرا عرفه الكتّاب على وفق صورة واحدة كما نجده في الكلمة التي تدخل عليها (أل) المعرفة وأولهما همزة مثل كلمة (الأرض) ومن ثم فقد برزت هذه الظاهرة مجرد احتمال على أيدي كتاب أقل ثقافة كتابية وهم يحاولون ابتداء رسم شكل جديد لهذا التركيب.
وتقدم المصاحف المخطوطة أمثلة أخرى غير الأربعة المشار إليها، فنجد الألف ثابتة بعد الهمزة المفتوحة فتحة قصيرة في {لََا أَنْتَ} * [هود: 87] في مصحف طشقند وفي لأاملئنّ [ص: 85] في مصحف جامع عمرو، وبعد الهمزة المفتوحة فتحة طويلة في لا آتينهم [الأعراف: 17] ، ومع همزة الوصل في لا اتّبعنكم [آل عمران: 167] ، كلاهما في مصحف طشقند، وتدل هذه الأمثلة على أن الظاهرة لم تكن محصورة في كلمات معينة بل ربما كانت أكثر شمولا للحالات المشابهة لكن الكتّاب كلما انتبهوا إلى حقيقة زيادة الألف في مثل هذه الكلمات حذفوها، ولم تبق من آثار تلك الظاهرة إلا بضعة كلمات ظهرت في الرسم العثماني على النحو الذي عرضناه.
ومن مظاهر تأثر رسم الهمزة المبتدئة بالتوسط العارض دخول همزة الاستفهام على همزة في أول الكلمة، وهمزة الاستفهام لا تكون إلا مفتوحة. أما التي في أول الكلمة فتكون مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة.
فإذا دخلت همزة الاستفهام على همزة مفتوحة سواء أكانت بعدها فتحة قصيرة أم طويلة رسم ذلك كله بألف واحدة (1) ، يقول الداني: وما كان من الاستفهام فيه ألفان أو ثلاث فإن الرسم ورد بلا اختلاف في شيء من المصاحف بإثبات ألف واحدة، اكتفاء بها لكراهة اجتماع صورتين متفقتين فما فوق في الرسم (2) . من ذلك (ء أنذرتهمء أنتمء أسلمتمء أقررتمء أنتء أربابء أسجدء أشكرء أتخذء أشفقتمء ألد) (3) .