القرآني سوى تمثيل ألفاظ التلاوة التي من خلالها لا من خلال الرسم تتجلى معاني القرآن العظيم، وقد مرت قرون طويلة على كتابة القرآن دون أن ينقل أحد شيئا من تلك المعاني، حتى جاء المراكشي فكشف عنها بتأمل ذاتي باطني فلسفي غامض متكلف بعيد عن طبيعة الكتابة التي هي وسيلة لتخليد الألفاظ الدالة على المعاني دون أن يكون للكتابة أصلا أي دور في تحديد المعنى أو تفصيله أو الإيحاء بمعاني دقيقة عن طريق التصرف في هجاء الكلمات وتحويره.
وسبق أن لاحظنا أن الأساس الأول الذي تنبني عليه الكتابة هو الأصوات المسموعة للكلمات ثم تسهم عوامل أخرى على مر العصور في إعطاء الكلمات صورا هجائية قد تخالف الملفوظ به جزئيا، ولكن ليس من بين تلك العوامل ملاحظة تمثيل المعاني الإضافية من خلال تغيير رسم الكلمات بزيادة أو نقص، فالأساس الذي قام عليه منهج أبي العباس المراكشي في دراسة ظواهر الرسم أساس مردود، وإذا انتقض الأساس انتقض سائر ما بني عليه، إلى جانب أن تلك التعليلات التي يوردها لاختلاف صور هجاء بعض الكلمات توقع في أحيان كثيرة في تناقض حاد، فإذا سلمنا مثلا بأن علّة حذف الواو في {وَيَمْحُ اللََّهُ الْبََاطِلَ} سرعة وقوع الفعل، فهل يدل إثبات الواو في {يَمْحُوا اللََّهُ مََا يَشََاءُ وَيُثْبِتُ (39) } [الرعد] على التراخي في المحو والإثبات؟ إلى غير ذلك من الأمثلة [1] . ثم إن ما يذهب إليه المراكشي من أن حذف رموز حروف المد وإثباتها يناسب أحوال الوجود، فإذا حذفت فذلك لمعنى باطن في الوجود، وإذا ظهرت فلمعنى ظاهر في الوجود إلى الإدراك، ينفيه ما تم كشفه من تاريخ استخدام رموز الحركات الطويلة في الكتابة العربية خاصة، والكتابات السامية عامة، فلم يكن منهج أبي العباس المراكشي إذن قائما على أساس من حقائق العلم ومعرفة التاريخ بل إن كل ما قاله هو نتيجة تأمل ذاتي غامض، عبر عنه بمصطلحات صوفية وفلسفية ومنطقية هي الأخرى غامضة، وأن نتيجة واحدة صحيحة يقود إليها الدليل العلمي الواضح خير وأجدى في فهم المشكلة من كل ما قاله المراكشي ورددته من ورائه أجيال من العلماء والدارسين.
ذهب بعض الباحثين إلى أن المصحف العثماني كتب ليشتمل على الأحرف السبعة أو
(1) انظر محمد طاهر الكردي: تاريخ القرآن، ص 176وما بعدها.