وينقلنا الحديث عن هذا الاتجاه إلى التعرض لجملة أخبار وردت بها الرواية عن بعض الصحابة، قد يفهم منها أنه وقع في الرسم العثماني خطأ في رسم بعض الكلمات، وإن ذلك قد استقر دون أن يحاول أحد من المسلمين تصحيحه، فظل يروى كذلك على مر الأجيال، لكن العلماء لم يتركوا تلك الأخبار دون دراسة وتمحيص، فبينوا ما في أسانيدها من ضعف، وتكلموا في معناها وما يمكن أن تحمل عليه إن صحت روايتها، ولعل في إيراد تلك الأخبار وما قاله العلماء في توجيهها ثم النظر فيها نظرة متمهلة وفاحصة ما يعين على إزالة ما قد يكون علق في الأذهان من شبهة وقوع الخطأ في الرسم العثماني كما فهم ذلك البعض من هذه الأخبار.
روى أبو عبيد (ت 224 هـ) في فضائل القرآن بإسناده عن عكرمة أنه قال [1] : «لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن، فقال: لا تغيروها،
عاجزين في الإملاء، لأمّيّتهم وبداوتهم، وبعدهم عن العلوم والفنون، كانت كتابتهم للمصحف الشريف سقيمة الوضع غير محكمة الصنع، فجاءت الكتبة الأولى مزيجا من أخطاء فاحشة ومناقشات متباينة في الهجاء والرسم» ويقول أيضا (ص 71) «وفضلا عن هذا فإن فيه تناقضا غريبا وتنافرا معيبا، لا يمكن تعليله ولا يستطاع تأويله» وقد أبدى الكاتب جهلا مطبقا بالرسم وبالقراءات، وقال كلاما تأنف أسماع الجهلة قبل العلماء عن سماعه، وقد أصدر شيخ الأزهر آنئذ قرارا بتأليف لجنة تكونت من ثلاثة من علماء الأزهر لبحث ما جاء في كتاب ابن الخطيب من أباطيل، ووضعت اللجنة تقريرها بما أوتيت من علم في يوليو (تموز) 1948 م. وقد طبع في (41 صفحة) ، ناقشت فيه مؤلف الكتاب ما ادعاه في كتابه من مزاعم باطلة عن القراءات والرسم، فصودر الكتاب، واختفى من أيدي الناس مع أنه انتهى إلى الإهمال قبل مصادرته ليس محاربة للرأي الصادق الحر، وإنما كان انتصارا للحق، وإخراسا للجهل والباطل، وقد نجا ابن الخطيب بمصادرة كتابه من لعنة دائمة سيطلقها كل عالم بصير وقارئ منصف وقف على الكتاب، ولن نعني أنفسنا هنا بمناقشة ما قاله في كتابه فإنه زبد جاف، لا يقوم على نقل ولا على نظر وعقل، على نحو ما رأينا من أقواله المتهافتة، ونكتفي بنقض أصل هذا الاتجاه القائل بأن ما ورد في الرسم من صور هجائية خالفت ما وضعه علماء العربية لا حقا هو من خطأ الكتاب.
(1) لوحة 37. وانظر لوحة 47.