وضعها العلماء كانت لاحقة للرسم لا يمكن أن تكون ميزانا لظواهره، فقد اتخذ العلماء ظواهر الرسم المصحفي أساسا لتقعيد قواعدهم بعد توحيد القواعد المتعددة التي كانت تخضع لها ظواهر كتابية معينة.
ومهما يكن من شيء فقد ظلت تلك الظواهر الكتابية التي لم تخضع لقواعد الهجاء المستحدثة محل نقاش ومثار تساؤل، فاختلفت وجهات نظر العلماء في تفسيرها، وتناقضت مواقفهم أحيانا منها، حتى إن بعض العلماء حمل تلك الظواهر على خطأ الكاتب في الكتابة، وذهب آخرون إلى أنها توقيف، وأنها تخفي من الأسرار الباطنة ما لا يدرك إلا بالفتح الرباني. وقد أوقفهم جميعا في ذلك إهمالهم للبعد التاريخي للكتابة، واعتقادهم جميعا أن الأصل في الكتابة موافقة الخط للفظ [1] ، فقالوا: إن الصحابة رضوان الله عليهم خرجوا على ذلك الأصل حين كتبوا المصحف [2] ، وهم في الحقيقة إنما استخدموا الهجاء المستعمل في زمانهم، الذي يعود بقواعده وبما يحمل من ظواهر كتابية وردت في رسم المصحف إلى فترات أقدم من تاريخ نسخ المصاحف.
ويمكن تمييز بضعة اتجاهات في مواقف علماء السلف من ظواهر الرسم التي جاءت خارجة على القواعد التي وضعها علماء العربية، وفي تعليلهم لتلك الظواهر، وأهم تلك الاتجاهات:
وهذا الاتجاه أقرب إلى الحق والواقع في تناول قضايا الرسم من غيره، رغم عدم وضوح الأساس الذي يقوم عليه، ورغم إهماله للجانب التاريخي والعوامل الأخرى التي تسهم في إعطاء الكلمات صورة هجائها، ويمكن أن يدخل في هذا الاتجاه ما تناثر في
(1) انظر: ص 67 من الفصل التمهيدي.
(2) مما يؤسف له أن نسمع ذلك في الوقت الحاضر ومن منبر مجمع اللغة العربية في القاهرة، قد ألقى الشيخ إبراهيم حمروش (انظر: مجلة المجمع، سنة 1955، ج 8، ص 57) بيانا عن رسم المصحف في مؤتمر المجمع قال فيه: «الأصل في هذا الخط أن يكون تصويرا للملفوظ بحروف هجائه بحيث يطابق المكتوب، ولكن هذا الأصل مزقه علماء الرسم! فقد كثرت استثناءاتهم في الحروف ولا سيما في الهمزة، أما رسم المصحف فالنظر فيه يوضح لنا أنه مخالف لذلك الأصل في كثير من مواضعه، ومخالف لما قرره علماء الرسم أحيانا» .