إذا كان القول بأن الأصل في الكتابة مطابقة الخط للفظ قد دفع بعض العلماء إلى البحث عن تفسير لما ورد في الرسم العثماني من حروف خالف رسمها الشائع من قواعد الهجاء على نحو ما فعل العلماء في الاتجاه السابق فإن طائفة أخرى من العلماء قد قصر نظرها وأعجزتها الحيلة في الوصول إلى تفسير لذلك، ورأت أن أيسر السبل إلى حسم الموقف القول بخطإ الكاتب، وظنت أنها ارتاحت وأراحت، ولكن سذاجة تلك المقولة واضحة، وستتجلى أكثر فيما سيأتي.
ومع أن الفراء (ت 207هـ) صرح أكثر من مرة في كتابه (معاني القرآن) برد القراءة المخالفة لرسم المصحف وأنه لا يشتهي مخالفة الكتاب، وأن «اتباع المصحف كما يقول إذا وجدت له وجها من كلام العرب وقراءة القراء أحب إليّ من خلافه» [1] . فإنه حين تحدث عن زيادة الألف بعد اللام ألف في مثل (لا أذبحنه) وغيرها في بعض المواضع دون الأخرى يذهب إلى ما يقرب من هذا الاتجاه حين يقول [2] : «وذلك أنهم لا يكادون يستمرون في الكتاب على جهة واحدة ألا ترى أنهم كتبوا {فَمََا تُغْنِ النُّذُرُ (5) }
[القمر] بغير ياء {وَمََا تُغْنِي الْآيََاتُ وَالنُّذُرُ (101) } [يونس] بالياء، وهو من سوء هجاء الأولين».
وإذا كانت كلمات الفراء غير قاطعة في حمل ذلك على الخطأ فإن ابن قتيبة (ت 276هـ) ، في توجيهه لما يروى من وجود لحن أو خطأ في رسم بضعة كلمات في المصحف، قد جعل خطأ الكاتب أحد احتمالين في توجيه ذلك، لكنه يصرح بعد ذلك بأن كل ما جاء في رسم المصحف من وجوه مخالفة للمشهور من قواعد الهجاء عند الكتاب هو من باب الخطأ، يقول بعد أن أورد حديث عائشة رضي الله عنها في غلط الكاتب، وحديث عثمان رضي الله عنه (أرى فيه لحنا) ، وما قاله النحاة في ذلك [3] .
(1) معاني القرآن، ج 2، ص 293. وانظر أيضا: ج 2، ص 35وص 183وص 350. وانظر قول الفراء المشار إليه في: ابن فارس، ص 11.
(2) معاني القرآن، ج 1، ص 439.
(3) تأويل مشكل القرآن، ص (4140) .