وإذا كان لنا أن نخلص بنتيجة من هذا العرض لاتجاهات علماء السلف في دراسة ظواهر الرسم العثماني فهي أن التباين في وجهات النظر المختلفة قد جعل المشكلة أكثر تعقيدا، دون أن يسهم في التقريب إلى فهم صحيح للمشكلة، ومع ذلك فإن لدينا الآن من الوسائل ما يدفع إلى محاولة دراسة المشكلة من جديد على أمل الوصول إلى فهم أكثر توفيقا وصدقا لظواهر الرسم المختلفة، وهو ما آمل تحقيقه في الفصل التالي إن شاء الله.
كانت دراسات علماء السلف في مجال الرسم تتركز بصورة عامة حول وصف الظواهر دون محاولة تفسيرها، إلا في القليل، على نحو ما بيّنا في موقفهم من ظواهر الرسم، ولم تحظ المشكلة في العصر الحديث كذلك بدراسة شاملة تحاول إعطاء تفسير مقبول لها، أو دراسة تقرب من الوصول إلى ذلك التفسير [1] ، ومن ثم فإن
(1) حاول الأستاذ عبد الوهاب حمودة في كتابه (القراءات واللهجات: ص 112102) البحث عن (سبب اختلاف المصاحف في الرسم لمألوف الخط ومعروف القواعد) : وقد ردّ ذلك إلى جملة عوامل، وهو مع إشارته إلى الأثر التاريخي للخط وبعض الظواهر الصوتية، فإنه يجعل من بين تلك العوامل ضعف الكاتبين في صناعة الخط، بمعنى أن بعض تلك الظواهر خطأ كتابي محض، وهو ما نرفض الأخذ به، وكذلك هو يجعل من بين تلك العوامل كتابة الكلمات لتحتمل أكثر من قراءة، وقد بيّنا ضعف هذا الاتجاه في محاولة تفسير الظواهر الهجائية، وبعد ذلك تظل هذه المحاولة محدودة بمساحة الصفحات التي خصصت لعلاج المشكلة، وبالمنهج الذي وضع المؤلف محاولته فيه.
وقد قدمت إلى (قسم التفسير وعلوم القرآن) بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر رسالة لنيل درجة الدكتوراة في التفسير وعلوم القرآن من السيد عبد الحي حسين الفرماوي، المدرس في الكلية، بإشراف الأستاذ الدكتور أحمد السيد الكومي، ونوقشت يوم (10/ 2/ 1975) في موضوع (رسم المصحف ونقطه) تقع في (412صفحة) إضافة إلى الفهارس التي تبلغ بها (481صفحة) ، وهذا البحث مخصص أصلا لمناقشة الحكم الشرعي لالتزام الرسم العثماني في طبع المصاحف ونسخها، وهدف البحث كما يقول كاتبه (المقدمة ص ي) «فحاولت جاهدا محاولة الباحث المنصف المحايد البحث عن الحل الأمثل الذي به يتحقق للمسلمين المتخالفين في رسم القرآن الكريم وحدتهم، واتفاقهم على رسم واحد، يتبعونه في طبع المصاحف، في مشارق الأرض ومغاربها، وليتحقق لهم أيضا الاقتداء بسنة محمد صلى الله عليه وسلم والاعتصام بحبل الله