فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 692

وقد كان بالإمكان أن نتناول رمز الهمزة بالدراسة مع رموز الأصوات الصامتة لولا ما صاحب ذلك الصوت ورمزه الكتابي من ظروف لغوية تاريخية جعلت منه مشكلة معقدة في النطق والرسم على السواء، فجاء رمز الهمزة على صورة رموز الحركات الطويلة أحيانا، وهو ما زاد في غموض المشكلة وتعقيدها، إذ فهم علماء العربية أن ذلك كان بسبب ارتباط الهمزة صوتيا بأصوات الحركات الثلاث، فجاء فهمهم للأصوات الصامتة والحركات ورموزها مختلطا، خاصة مع غياب الوعي التاريخي لتطور مشكلة الهمزة، وانتقالها من مجال الأصوات الصامتة إلى الحركات، ثم تذبذبها بين هذه وتلك، وقد حتم هذا الوضع الفريد للهمزة أن نتناولها في مبحث مستقل نحاول أن نصل فيه إلى تفسير مقبول لهذه المشكلة التي كانت من أكبر العوامل المساهمة في إساءة فهم ظواهر الرسم العثماني من قبل كثير من الباحثين.

ولا بد بعد ذلك من أن نشير إلى كيفية ارتباط تلك الرموز صوامت وحركات في داخل الكلمة، ثم بيان علاقة بعض الكلمات ذات المقاطع المحدودة بغيرها من الكلمات، فقد جاءت معظم الكلمات ذات المقطع الواحد مرتبطة بالكلمات المجاورة لها، وجاءت كذلك عدة من الكلمات ذات المقطعين موصولة بغيرها أحيانا ومستقلة برسمها أحيانا أخرى.

وعلى هذا المنهج يمكن تناول ظواهر الرسم بالدراسة في تلك الأبواب أو المباحث الأربعة، ومع أن علماء السلف أفردوا لدراسة الهمزة بابا مستقلا إلا أن الأسس التي يقوم عليها فهم مشكلة الهمزة هنا يختلف عما ذهبوا إليه في بعض الجوانب، وهو ما يمكن أن يسهم في حل مشكلة الرسم عامة والهمزة على وجه الخصوص، أما الباب الذي سماه علماؤنا الأئمة (القطع والوصل) أو (الفصل والوصل) فهو ما سنبحث فيه هنا تعريف الكلمة من حيث الرسم، وعوامل وصل الكلمات بعضها ببعض أحيانا.

وهذا المنهج في دراسة ظواهر الرسم ستتضح من خلاله القاعدة العامة التي جرى عليها تمثيل الصوامت والحركات في الرسم العثماني من جانب، ثم بيان تفسير وتعليل الأمثلة الخارجة على تلك القاعدة لأسباب لغوية تاريخية من جانب آخر.

وقبل أن نمضي في دراسة الرسم العثماني وفقا لذلك المنهج نشير إلى جملة قضايا مهمة، تحدد المنهج الذي ستجري عليه هذه الدراسة، وتساعد إلى جانب ذلك في تفهم العوامل التي أثرت في خلق تلك الأمثلة التي جاءت خارجة على القاعدة العامة التي جرى عليها الرسم العثماني في تمثيل الصوامت والحركات، وأهم تلك القضايا:

1 -استبعاد فكرة الخطأ في دراسة ظواهر الرسم العثماني:

إذ لم يرد أي خبر يشير إلى صعوبات هجائية واجهت الكتبة وعجزوا فيها عن تحقيق الصورة الصحيحة لها، غير ما ذكر من اختلافهم في رسم كلمة (التابوت) ونحو ذلك مما يرجع إلى اختلاف العادة التي جرى عليها الكتبة في رسم تلك الكلمات دون أن يدخل ذلك في دائرة الخطأ، ولا ينبغي لدارس الرسم العثماني إلا أن يستبعد فكرة الخطأ وهو يحاول أن يجد التفسير الصحيح لظواهر الهجاء الواردة فيه، وأن يتوقف عن

القول في ما لم يتوفر لديه فيه ما يرجح به رأيا أو يقدم به تفسيرا، لأن جانبا كبيرا من تاريخ الكتابة العربية في تلك الفترة المتقدمة لا يزال غير معروف، ويظل الرسم العثماني بكل ما يقدم من أمثلة وصور لرسم الكلمات خير ممثل لواقع الكتابة العربية في تلك الحقبة، ولا شك في أن أي كشف جديد في مجال النصوص القديمة المكتوبة سيزيد الحقائق الكتابية التي يقدمها الرسم تأكيدا ووضوحا، بعيدا عن فكرة الخطأ التي يجب أن تكون آخر احتمال في هذا المجال، بل على الباحثين استبعاد فكرة وقوع الخطأ في هذه المرحلة من البحث، حيث تشير كل الدلائل إلى أن ما جاء في الرسم العثماني هو واقع كتابي تميزت به الكتابة العربية في تلك الفترة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت