الراشدين ذلك».
ونجد بعد هذا كله أن قول بروكلمان «ولعل نجوما متفرقة من الوحي كانت قد كتبت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلّم، ولكن أكثر الوحي كان يروى بلا ريب شفاها من الذاكرة فحسب» [1] بعيد عن الحق، ولا يخلو من الهوى والغرض، فالأخبار تشير إلى عكس ما يقول تماما، بل أكثر من ذلك، إذ تؤكد أن القرآن كله قد كتب لكنه مفرّق غير مجموع، حيث تم جمعه في مكان واحد بين دفتي المصحف في عهد الصدّيق، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلّم بفترة وجيزة، وبيد من كتبه للنبي وسمعه وحفظه منه، وهو ما سيكون حديث الفقرة الآتية.
ولي الصديق الخلافة بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الرفيق الأعلى في شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة [2] ، وكان أول ما واجهه في خلافته ارتداد قبائل من العرب، لأسباب مختلفة منها منعهم بعض حقوق الإسلام، فكان موقفه حازما من هذه الفتنة التي أخذت تعصف بأطراف الدولة الإسلامية، وقال كلمته المشهورة [3] : «والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه، ولو لم أجد أحدا أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي، حتى يحكم الله بيني وبينهم، وهو خير الحاكمين» . وانضم بعض المرتدين إلى مدعي النبوات الكاذبة، فجهز الصديق لقتال هؤلاء جميعا الجيوش التي كان في طليعتها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولم تمض إلا فترة يسيرة حتى عادت الجزيرة العربية كلها إلى الإسلام [4] لكن عددا كبيرا ممن شارك في إخماد تلك الفتنة قد
(1) بروكلمان (كارل) : تاريخ الأدب العربي (مترجم) ، القاهرة، دار المعارف، 1959، ج 1، ص 139.
(2) الطبري: التاريخ، ج 3، ص 199.
(3) خليفة بن خياط: تاريخ خليفة، دمشق، 1967، ج 1، ص 79.
(4) انظر عن أخبار حروب الردة: الطبري: التاريخ، ج 3 (أخبار السنة الحادية عشرة) . والكلاعي (أبو سليمان الربيع بن سليمان أحد علماء القرن السادس والسابع للهجرة) : كتاب تاريخ الردة. اقتبسه من الاكتفاء بما تضمنه من مغازي المصطفى ومغازي الخلفاء (له) خورشيد أحمد فارق. دهلي (الهند) ، معهد الدراسات الإسلامية، 1970. وابن الأثير: الكامل في التاريخ،