الطويلة في غيرها بالياء، أو أن الكلمة التي فيها الفتحة الطويلة هي نفسها كان لها أصل في الياء، أي أنها كانت تنطق ياء؟ والذي يفهم من كلام علماء السلف أنهم يكتفون بالقول الأول، وتظل المشكلة بذلك قائمة دون أن تجد حلا، يشمل جميع الأمثلة الظاهرة، ويجد له من الواقع سندا يدفع إلى اعتماده والأخذ به.
ولعل الشق الثاني من التساؤل السابق، وهو أن احتمال كون تلك الكلمات كانت تنطق في يوم ما بالياء، وترسم لذلك بالياء هو الذي يمكن أن يفسر تلك الظاهرة، ثم يبدو أنه قد حدث تطور في لفظ الياء في تلك الكلمات إلى الفتحة الطويلة، ولكن لم تواكب الكتابة ذلك التطور، فظل الرسم بالياء التي نجدها مرسومة الآن في كثير من الكلمات في الرسم العثماني، بينما صار اللفظ فتحة طويلة.
وحين نتتبع عامة الأمثلة في هذه الظاهرة نجد أن الياء تظهر في صيغها المتعددة، وهو ما حمل علماء السلف على القول بأن الفتحة الطويلة كتبت ياء بناء على الأصل، ولكن أليس من المحتمل أن هذه الفتحة الطويلة كانت في يوم ما ياء، مثل عامة صيغ الكلمة الأخرى، ثم حدث أن صارت إلى الفتحة الطويلة لتطور لحق الكلمة خاصة أنها في طرف الكلمة؟ نجد أن التطور في صيغ الكلمات قد أصاب الفعل الماضي مرة والمضارع أخرى، وربما شمل المصدر أيضا، فممّا الماضي فيه بالألف والمضارع بالياء مثلا (جنى يجني ومشى يمشي، ورمى يرمي) ومما كان المضارع فيه بالألف والماضي بالياء (خشي يخشى، ورضي يرضى، وبقي يبقى، ولقي يلقى، ونسي ينسى، وفني يفنى) ، ونجد أن بعض مصادر هذه الأفعال قد احتفظ بالياء مثل (مشيا، ورميا) ، وبعضها قد صارت الياء فيه فتحة طويلة، أو احتفظ بالصيغتين، مثل (أذي أذى، وأنى أنيا وإنى، وخزي خزيا وخزى، ورضي رضا) ، ولعل من الممكن أن نستنتج من ذلك أن هذه الفتحات الطويلة كلها كانت ياء في الأصل، وأن التطور كان من الياء إلى الفتحة الطويلة، ومما ساعد على ذلك وقوعها في الطرف، ولهذا نجدها ياء إذا اتصلت بالضمير مثل (مشيت ورميت ويخشيان ويرضيان) ، أي أنها أقل استجابة للتطور حين توجد في وسط الكلمة، ثم لعل من الممكن القول بناء على ذلك أن بالإمكان أن يأتي كل فعل معتل بالياء على صيغتين في المضارع والماضي
وكذلك المصدر، هما الصيغة القديمة بالياء، والصيغة المتطورة بالألف، فنقول: (رضي، ورضى مثل رمى، ويرضى ويرضي مثل يرمي، ورضا ورضيا مثل رميا) ، ولعل مجيء الفعل (بقي) بصيغته الأخرى (بقى) وكذلك مجيء مصدر (خزي) بالصيغتين (خزيا وخزى) مما يسوغ قبول هذه الفكرة (1) ، ولا شك أن كثيرا من الأفعال لم تبلغ كل صيغها جميع مراحل ذلك التطور، فنجد أن بعضها لا يزال يحتفظ بالصورة الأولى للفظ في المضارع أو في الماضي، وبعضها بالصورتين، إلا أن فعلا مثلا (سعى) قد تحقق التطور فيه في الماضي والمضارع (سعى، يسعى) دون المصدر (سعيا) .