فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 692

وحين نتتبع عامة الأمثلة في هذه الظاهرة نجد أن الياء تظهر في صيغها المتعددة، وهو ما حمل علماء السلف على القول بأن الفتحة الطويلة كتبت ياء بناء على الأصل، ولكن أليس من المحتمل أن هذه الفتحة الطويلة كانت في يوم ما ياء، مثل عامة صيغ الكلمة الأخرى، ثم حدث أن صارت إلى الفتحة الطويلة لتطور لحق الكلمة خاصة أنها في طرف الكلمة؟ نجد أن التطور في صيغ الكلمات قد أصاب الفعل الماضي مرة والمضارع أخرى، وربما شمل المصدر أيضا، فممّا الماضي فيه بالألف والمضارع بالياء مثلا (جنى يجني ومشى يمشي، ورمى يرمي) ومما كان المضارع فيه بالألف والماضي بالياء (خشي يخشى، ورضي يرضى، وبقي يبقى، ولقي يلقى، ونسي ينسى، وفني يفنى) ، ونجد أن بعض مصادر هذه الأفعال قد احتفظ بالياء مثل (مشيا، ورميا) ، وبعضها قد صارت الياء فيه فتحة طويلة، أو احتفظ بالصيغتين، مثل (أذي أذى، وأنى أنيا وإنى، وخزي خزيا وخزى، ورضي رضا) ، ولعل من الممكن أن نستنتج من ذلك أن هذه الفتحات الطويلة كلها كانت ياء في الأصل، وأن التطور كان من الياء إلى الفتحة الطويلة، ومما ساعد على ذلك وقوعها في الطرف، ولهذا نجدها ياء إذا اتصلت بالضمير مثل (مشيت ورميت ويخشيان ويرضيان) ، أي أنها أقل استجابة للتطور حين توجد في وسط الكلمة، ثم لعل من الممكن القول بناء على ذلك أن بالإمكان أن يأتي كل فعل معتل بالياء على صيغتين في المضارع والماضي

وكذلك المصدر، هما الصيغة القديمة بالياء، والصيغة المتطورة بالألف، فنقول: (رضي، ورضى مثل رمى، ويرضى ويرضي مثل يرمي، ورضا ورضيا مثل رميا) ، ولعل مجيء الفعل (بقي) بصيغته الأخرى (بقى) وكذلك مجيء مصدر (خزي) بالصيغتين (خزيا وخزى) مما يسوغ قبول هذه الفكرة [1] ، ولا شك أن كثيرا من الأفعال لم تبلغ كل صيغها جميع مراحل ذلك التطور، فنجد أن بعضها لا يزال يحتفظ بالصورة الأولى للفظ في المضارع أو في الماضي، وبعضها بالصورتين، إلا أن فعلا مثلا (سعى) قد تحقق التطور فيه في الماضي والمضارع (سعى، يسعى) دون المصدر (سعيا) .

ولا يعنينا هنا كثيرا إذا صح ما قدمناه أن نحدد تاريخا لذلك التطور الذي حدث في مراحل متقدمة من تاريخ العربية، بل يبدو أن محاولة تحديد مثل ذلك التاريخ الآن خطوة لا تعتمد على أدلة كافية، ويكفي أن نعرض مثالا لخطوات ذلك التطور المحتمل في فعل من الأفعال المعتلة بالياء، فالفعل (رمى) كان حسب الأصل المفترض (رمي ) ) [2] ، ثم حدث أن تطورت الياء وهي متطرفة إلى فتحة طويلة، ولم يتطلب ذلك التطور سوى سقوط الياء ثم التقاء حركتها بحركة الميم قبلها لتكون الحركتان القصيرتان فتحة طويلة هكذا ، ولكن رغم حدوث ذلك التطور في اللفظ فإن الرسم ظل على حالته بالياء، لأن الكتابة كما ذكرنا من قبل أقل تطورا، وأكثر احتفاظا بالظواهر القديمة [3] .

(1) قال أبو عمرو الداني (المحكم، ص 157) وهو يتكلم عن رسم (تراءى) بألف واحدة بعد الراء في قوله تعالى: ترآ الجمعان (61) [الشعراء] . إن أصل هذا الفعل هو (تراءى) على وزن تفاعل، ومثل ذلك من السالم تضارب وتقاتل، فلما تحركت الياء التي هي لام، وانفتح ما قبلها انقلبت ألفا، (تراءا) ، وهذه الظاهرة هي نفس ما نجده في الأفعال الثلاثية المعتلة في (رمى وسعى) .

(2) انظر برجشتراسر: ص 39.

(3) لاحظ علماء العربية ظاهرة تحول الياء التي تقع طرفا في مثل الأمثلة المذكورة وعبروا عن ذلك بالإبدال مرة وبالقلب أخرى، وقالوا إن الياء والواو إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفا أو أبدل منهما الألف، (انظر ابن يعيش: ج 10، ص 16و 98، والسيوطي: همع الهوامع، ج 2، ص 222) ، وهي ملاحظة صادقة وصحيحة، ولكن التعبير عنها بالإبدال أو القلب جاء قاصرا (انظر د. عبد الصبور شاهين: القراءات القرآنية، ص 77) ، إذ لا يحدث في تلك الأمثلة أي قلب أو إبدال، إنما تسقط الياء أو الواو وتتخلف عن ذلك فتحتهما والفتحة السابقة لهما فتكونان فتحة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت