عن عاصم اختلافا في حروف كثيرة [1] ، ونجد تعليلا لهذا الاختلاف في قول عاصم نفسه لحفص [2] : القراءة التي أقرأتك بها فهي التي قرأتها عرضا على أبي عبد الرحمن السلمي عن علي، والتي أقرأتها أبا بكر بن عياش فهي التي كنت أعرضها على زر بن حبيش عن ابن مسعود.
كان المصحف العثماني قد كتب على قراءة واحدة كما بيّنا ذلك في المبحث الثالث من الفصل الثاني وخطه محتمل لأكثر من قراءة إذ لم يكن منقوطا ولا مضبوطا [3] ، وبعد أن أرسلت المصاحف العثمانية إلى الأمصار «قرأ أهل كل مصر من قراءتهم التي كانوا عليها بما يوافق خط المصحف، وتركوا من قراءتهم ما خالف خط المصحف [4] ، ويبدو أن الذين أرسلهم عثمان مع المصاحف لم يحاولوا حمل الناس على القراءة التي يقرءونها، وقد قال أبو طاهر بن أبي هاشم (ت 349هـ) تلميذ ابن مجاهد [5] :
«إن السبب في اختلاف القراءات السبع وغيرها أن الجهات التي وجّهت إليها المصاحف كان بها من الصحابة من حمل عنه أهل تلك الجهة، وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل، قال: فثبت أهل كل ناحية على ما كان تلقوه سماعا عن الصحابة بشرط موافقة الخط وتركوا ما يخالف الخط، امتثالا لأمر عثمان الذي وافقه عليه الصحابة لما رأوا في ذلك من الاحتياط للقرآن» .
وإذا كان المصحف العثماني قد كتب على قراءة بعينها فلماذا لا نجدها متمثلة بقراءة قارئ أو مصر من الأمصار إذن؟ يمكن القول بناء على ما تقدم إن قراءة أهل المدينة
(1) المعارف، ص 231، قال ابن مجاهد (ابن الجزري: غاية النهاية، ج 1، ص 254) : بين حفص وأبي بكر من الخلاف في الحروف خمس مائة وعشرين حرفا في المشهور عنهما.
(2) ياقوت: معجم الأدباء، ج 1، ص 316، وابن الجزري: غاية النهاية، ج 1، ص 254.
(3) انظر مكي: الإبانة، ص 4.
(4) انظر مكي: الإبانة، ص 29.
(5) ابن حجر: فتح الباري، ج 10، ص 406، وانظر مكي: الإبانة، ص (1514) .