كانت في القرن الهجري الأول أقرب إلى أن تكون تلك القراءة، وهي التي كانت تعرف بقراءة العامة [1] ، وقراءة الجماعة [2] ، ويبدو أن معالم تلك القراءة أخذت تختفي شيئا فشيئا، لأن أئمة القراءة كانوا قد قرءوا على شيوخ كثيرين، فكانوا ينتخبون من قراءات أولئك الشيوخ قراءة يستمرون عليها، وقد حدثت هذه الظاهرة منذ وقت مبكر، فينقل ابن الجزري أن ابن عباس (ت 68هـ) «كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت إلا ثمانية عشر حرفا أخذها من قراءة ابن مسعود» [3] .
وقد عرفت ظاهرة تأليف قارئ قراءة من مروياته عن أكثر من شيخ بالاختيار، فكان أئمة الإقراء في القرون الأولى ينتخبون قراءة من مجموع ما يروونه عن شيوخهم، وكان نافع بن أبي نعيم (ت 169هـ) إمام أهل المدينة يقول: قرأت على سبعين من التابعين، «فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته، وما شذ فيه واحد تركته، حتى ألّفت هذه القراءة من هذه الحروف» [4] ، ويروى أن نافعا قال «تركت من قراءة أبي جعفر سبعين حرفا» [5] ، وأبو جعفر هو يزيد بن القعقاع من أكبر شيوخ نافع.
وهناك أمثلة كثيرة لهذه الظاهرة، فعليّ بن حمزة الكسائي قرأ على حمزة وهو يخالفه في نحو ثلاث مائة حرف [6] ، لأنه كان يتخير القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا [7] ، قال ابن النديم: وكان الكسائي من قراء مدينة السلام، وكان أولا يقرئ الناس بقراءة حمزة ثم اختار لنفسه قراءة فأقرأ الناس في خلافة هارون [8] وقال عنه
(1) انظر الزركشي: ج 1، ص 237.
(2) أبو بكر الباقلاني: ص 417.
(3) غاية النهاية، ج 1، ص 426.
(4) ابن مجاهد: ص 62، ومكي: الإبانة، ص 17.
(5) الذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 91.
(6) مكي: الإبانة، ص 17.
(7) ابن مجاهد: ص 78، وياقوت: معجم الأدباء، ج 13، ص 168، وعلم الدين السخاوي: جمال القراء، ورقة 150أ، والذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 101، وابن الجزري: غاية النهاية، ج 1، ص 538.
(8) الفهرست، ص 30.