فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 692

القرآن، مما أظهر الحاجة إلى مصحف يكون إماما للمسلمين في كافة الأمصار، خاصة بعد أن برز الاختلاف في القراءة، وهو ما تم في خلافة عثمان، وسيكون ذلك حديث المبحث التالي.

أولا: الأسباب والدوافع:

كان القرآن الكريم أهم شيء حمله المسلمون إلى البلاد التي بلغتها حركة الفتح المستمرة في كل اتجاه في عهد الخلافة الراشدة، وكان تعلم القرآن وقراءته أهم ما يشغل بال الداخلين في الدين الجديد، فظهرت لذلك في الأمصار الإسلامية مدارس لتعليم القرآن وقراءته، كان على رأسها في كل مصر جماعة من الصحابة الذين نزلوا فيه، وقد ألمحنا في المبحث السابق إلى أن حركة نسخ المصاحف في الأمصار كانت في اتساع مستمر، وكان ذلك سواء تعليم القراءة أم نسخ المصاحف يتم في ظل رخصة الأحرف السبعة، التي أذن بها النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن تيسيرا على المسلمين، ويبدو أن آثار تلك الرخصة قد ظهرت في الأمصار الإسلامية بصورة أكثر وضوحا منها في المدينة بسبب البعد عن مهبط الوحي، ومكان الحفظة، وبسبب الامتزاج اللغوي، سواء بين العرب أنفسهم أم بينهم وبين غيرهم من الداخلين في الإسلام.

وقد مرت سنوات خلافة الصديق، التي تم فيها ذلك الإنجاز العظيم الذي حفظ القرآن، مصونا كاملا في الصحف التي ظلت محفوظة في دار الخلافة، ثم سنوات خلافة عمر بن الخطاب الذي كانت أيامه فتحا على المسلمين في كل جانب، وقد أتاحت حركة الفتح أن يلتقي المسلمون خاصة من الجيل الذين أخذوا من الصحابة ويتدارسوا القرآن ويتذاكرونه، وكان كل واحد يقرأه مثل ما سمعه وتعلمه من الصحابي الذي تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلّم، ولا شك في أن قراءات الصحابة التي تلقوها عن النبي صلى الله عليه وسلّم كانت تضم كثيرا من وجوه الأحرف السبعة، وتلقّى جيل التابعين تلك القراءات عمن أقرأهم من الصحابة، وتراجعوا في بعض وجوه القراءات، وادعى بعضهم أن قراءته أصح من قراءة غيره.

وكانت مظاهر تلك الحالة أشد وضوحا في خلافة عثمان بن عفان، وتعطي الروايات

صورا مختلفة لذلك الخلاف، في القراءة، وعلى مستويات متعددة. فمن ميدان الحرب واختلاف الجند إلى ميدان التعليم واختلاف المعلمين وتلاميذهم. ويبدو أن حالات تنازع المسلمين في قراءة كلمات من القرآن قد تكاثرت أخبارها على مسامع الخليفة وكبار الصحابة، مما جعلهم يفكرون في الوسائل التي يمكن بها تفادي النتائج الخطيرة التي يمكن أن تترتب على مثل ذلك الخلاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت