إن المعرفة الصحيحة لتاريخ القراءات وبيان علامتها بالرسم تقتضي الرجوع إلى العصر الأول للدعوة الإسلامية حين تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر السماء لأول مرة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسََانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسََانَ مََا لَمْ يَعْلَمْ (5) } [العلق] ، ثم تتبّع الكيفية التي تلا بها رسول الله القرآن على أسماع الناس امتثالا لأمر الله {يََا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمََا بَلَّغْتَ رِسََالَتَهُ (67) } [المائدة] ، ثم كيف كان الصحابة يقرءونه ويقرءونه للأجيال المتتالية منذ عصر الخلافة الراشدة وما تلاها حتى ظهرت اختيارات القراء التي اقترنت شهرتها بأسماء معينة مثل قراءات السبعة أو غيرهم.
إلا أن الأمر ليس من السهولة بحيث يمكن الإحاطة بكل جوانب ذلك التاريخ، بسبب قصور الهمم في محاولات البحث عن تاريخ هذا الموضوع، خاصة أن مصادر القراءات الأولى لم يزل أكثرها مخطوطا، وأقدم ما طبع منها لا يرجع إلى أبعد من أواخر المائة الثالثة، وهو كتاب (السبعة) القيم لابن مجاهد (ت 324هـ) وقد لا يكون هناك أقدم منه قد بقي من المؤلفات الأساسية الأولى في القراءات من مثل كتاب أبي عبيد وأبي حاتم وابن جرير الطبري وغيرها من المؤلفات التي يرجع أقدمها إلى أواخر القرن الهجري الأول.
وليس الهدف هنا تفصيل ذلك التاريخ أو استقصاء كل ما تقدمه المصادر المتاحة في هذا المجال، إذ إن ذلك يحتاج إلى مكان أوسع مما تسمح به طبيعة هذا البحث، وإنما أكتفي بما يحقق القصد الذي أشرت إليه وهو معرفة العلاقة بين القراءات وبين الرسم العثماني، وما سأذكره إنما هو نتيجة للمعلومات التي توصلت إليها ولا أدري ما ستكون عليه صورة ذلك العرض إذا ما توفرت روايات وأخبار جديدة تؤيد أو تصحح ما سأذكره، ولست بوقّاف عند رأي يظهر خطؤه ولا معرض عن رأي جديد تظهر صحته إن شاء الله.