وعلى هدى من ذلك العرض وهذه النتائج سنتناول الرسم المصحفي بالدراسة والتحليل، لعلنا نصل إلى فهم واضح وتفسير صحيح لكافة ظواهره ومميزاته الكتابية، إن شاء الله.
إن دراسة تاريخ كتابة القرآن الكريم وجمعه تعتبر الخطوة الأولى في أية محاولة لدراسة الرسم المصحفي، لأن مثل تلك الدراسة ستعطي البعد التاريخي لظاهرة الرسم عامة، وتجعل تتبع مراحل تطوره والمحاولات المتلاحقة لتكميله وفهم ظواهره ومشكلاته أمرا أكثر تحديدا ووضوحا.
وتاريخ كتابة القرآن جزء من تاريخ القرآن عامة، وهو تاريخ واسع، لأنه في الواقع تاريخ الدعوة الإسلامية من يوم نزل الوحي بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى أجيال بعد ذلك، ولسنا نهدف هنا إلى تناول جميع أبعاد ذلك التاريخ، وما تضمنه من أحداث وإنجازات عظيمة، نعمت البشرية ولا تزال تنعم إلى اليوم بها، بل نكتفي بالتركيز على جانب الكتابة من ذلك التاريخ.
وإذا كانت كتب التاريخ الأولى لا تكاد تتعرض لكتابة القرآن وجمعه إلا قليلا [1] ، فإن كتب الحديث الصحيح تقدم كثيرا من تفاصيل ذلك التاريخ، سواء كان ذلك في حياة النبي صلى الله عليه وسلّم أم في عهد الخلفاء الراشدين.
وسنتناول ذلك على مرحلتين، مرحلة توحيد المصاحف ونسخها في خلافة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وهي المرحلة التي تقدم لنا الظواهر الكتابية التي سيقوم عليها هذا البحث، والمرحلة السابقة لذلك، وهي تشمل كتابة القرآن زمن النبي صلى الله عليه وسلّم فقد ثبت بما لا يقبل الشك أن النبي صلى الله عليه وسلّم أمر بكتابة القرآن، وأذن لمن أراد من الصحابة كتابته. وتشمل أيضا كتابة القرآن وجمعه في الصحف في خلافة الصديق
(1) محمد حسين هيكل: الصدّيق أبو بكر، ط 5، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية 1964، ص 16.