فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 692

إذ لم يرد أي خبر يشير إلى صعوبات هجائية واجهت الكتبة وعجزوا فيها عن تحقيق الصورة الصحيحة لها، غير ما ذكر من اختلافهم في رسم كلمة (التابوت) ونحو ذلك مما يرجع إلى اختلاف العادة التي جرى عليها الكتبة في رسم تلك الكلمات دون أن يدخل ذلك في دائرة الخطأ، ولا ينبغي لدارس الرسم العثماني إلا أن يستبعد فكرة الخطأ وهو يحاول أن يجد التفسير الصحيح لظواهر الهجاء الواردة فيه، وأن يتوقف عن

القول في ما لم يتوفر لديه فيه ما يرجح به رأيا أو يقدم به تفسيرا، لأن جانبا كبيرا من تاريخ الكتابة العربية في تلك الفترة المتقدمة لا يزال غير معروف، ويظل الرسم العثماني بكل ما يقدم من أمثلة وصور لرسم الكلمات خير ممثل لواقع الكتابة العربية في تلك الحقبة، ولا شك في أن أي كشف جديد في مجال النصوص القديمة المكتوبة سيزيد الحقائق الكتابية التي يقدمها الرسم تأكيدا ووضوحا، بعيدا عن فكرة الخطأ التي يجب أن تكون آخر احتمال في هذا المجال، بل على الباحثين استبعاد فكرة وقوع الخطأ في هذه المرحلة من البحث، حيث تشير كل الدلائل إلى أن ما جاء في الرسم العثماني هو واقع كتابي تميزت به الكتابة العربية في تلك الفترة.

2 -عدم الاقتصار على المبدأ القائل إن الأصل في الكتابة مطابقة الخط للفظ:

إذ إن اعتماد هذه الفكرة في مناقشة ظواهر الرسم هي التي أوقعت علماء السلف عامة وعلماء العربية منهم خاصة في خطأ جسيم أدى إلى عدم تمكنهم من فهم حقيقة صور هجاء الكلمات التي احتوت رموزا زائدة لا تلفظ، ومع تسليمنا بأن أصل الكتابات الهجائية هو المبدأ الصوتي، إلا أن تطور اللغة دون مواكبة الكتابة لذلك التطور قد أوجد بعض التعقيدات الهجائية التي ترجع في الغالب إلى واقع لغوي قد زال من الاستعمال لكن الكتابة تتشبث بصور هجاء الكلمات التي تمثل الظواهر اللغوية القديمة.

وبناء على ذلك فسوف نجري في مناقشة ظواهر الرسم على أساس اشتراك جملة عوامل في خلق الظاهرة الكتابية كما بيّنا ذلك في الفصل التمهيدي وإلى جانب ذلك فإن هجاء الكلمة قد يقوم على أساس نطقها لكن قد تتهجى وهي مبتدأ بها وموقوف عليها، أو ترسم وهي في سلسلة كلامية متصلة، وسنجد أن لهذين الاعتبارين أثرا كبيرا في رسم الكلمات حين يستجيب الكاتب لأحدهما، لأن نطق الكلمات كثيرا ما يتغير في اللغة العربية في حال الوقف عنه في درج الكلام.

وللجانب الثقافي للكاتب ومقدار معرفته بتقاليد الكتابة التي يستعملها أثر في طريقة رسمه للكلمات، فكلما كان قد مارس عملية القراءة والكتابة على نطاق واسع أتاح له ذلك المحافظة على هجاء الكلمات الموروث، وبالعكس إذا كان الكاتب حديث عهد بالكتابة، أو قلّت ممارسته لها فإنه سيجري في رسم الكلمات، خاصة التي لم يقرأها

في نص مكتوب، على نحو ما يسمعها أو يلفظها (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت