لمشاركة أبيّ بن كعب في نسخ المصاحف بقوله: هذا إسناد قوي لكنه مرسل. ثم يقول [1] : «وما أحسب أن عثمان ندب للمصحف أبيا، ولو كان كذلك لاشتهر، ولكان الذكر لأبيّ لا لزيد، والظاهر وفاة أبيّ في زمن عمر، حتى أن الهيثم بن عدي وغيره ذكر موته سنة تسع عشرة، وقال محمد بن عبد الله بن نمير، وأبو عبيد، وأبو عمر الضرير: مات سنة اثنتين وعشرين، فالنفس إلى هذا أميل» ، ويروى أن عمر قال يوم موته [2] : اليوم مات سيد المسلمين، أو سيد الناس. وتشير بعض الروايات كما سيأتي بعد قليل إلى بعض مساهمات له في تمحيص وتصحيح بعض صور الكتابة في القرآن [3] . لكن أبيّا لم يشهد مكان العمل كما تشير الرواية فقد كانت ترسل إليه الاستشارة مكتوبة على كتف شاة ليعطي رأيه فيها [4] . ولا شك في أن أبيّا كان أهلا لأن يؤخذ رأيه في قضايا الرسم والقراءة، فهو من أوائل كتاب الوحي في المدينة، وكان أحد حفاظ القرآن زمن النبي صلى الله عليه وسلم وربما نجد تفسيرا لعدم حضوره إلى المكان الذي تعمل فيه الجماعة في نسخ المصاحف، أنه كان حينئذ مريضا ومرضه هذا هو الذي أعفاه من الخروج إلى الشام لتعليم أهلها القرآن في خلافة عمر بن الخطاب، حين طلب عامله عليها أن يعينه ببعض الصحابة يعلّمون الناس هناك [5] لكن بعد هذا كله يظل الآن التساؤل حول الفترة التي ترجع إليها مساهمات أبيّ في نسخ المصاحف، وهل كانت مقصورة على عهد الصديق وعمر، أم أن حياة أبيّ امتدت إلى خلافة عثمان وشهد عمل الجماعة التي نسخت المصاحف وأسهم من بعيد في ذلك العمل دون إجابة محددة.
وتشير الرواية السابقة لابن شهاب الزهري عن خارجة بن زيد في نسخ المصاحف
(1) الذهبي: سير أعلام النبلاء، ج 1، ص 287.
(2) ابن قتيبة: المعارف، ص 113. والذهبي: معرفة القراء، ج 1، ص 33.
(3) أبو عبيد: فضائل القرآن، لوحة 37.
(4) أبو عبيد: فضائل القرآن، لوحة 37. وانظر ابن فارس: ص 9.
(5) ابن سعد: ج 2، ص 356. وانظر مقدمة كتاب المباني لمجهول (ألفه سنة 425هـ) نشر آرثر جفري، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1954، ص 49.