الكلمات، حيث جاءت على غير الأصول والقواعد التي أشرنا إليها من قريب، وتقدم هذه الأمثلة التي وردت في الرسم العثماني مادة مهمة جدا للباحث في تاريخ الكتابة العربية عامة ولدراسة الأسس التي تقوم عليها الكتابة خاصة، إلى جانب أنها قد تساعد الباحث في تاريخ اللغة على تصور بعض ظواهر النطق في فترات سحيقة من تاريخ اللغة.
يبدو أن عدم استقرار الكتّاب على كون أن الأصل في كتابة الكلمة هو الابتداء بها والوقف عليها كان ذا أثر كبير على الرسم العثماني. وقد بينا أثر ذلك في رموز الحركات الطويلة، ويتضح هذا الأثر في رسم الهمزة بنفس تلك الدرجة وربما أشد، ومع أن أكثر الرسم بني على الوقف إلا أن ملاحظة علماء الرسم لأثر الوصل من خلال الأمثلة التي يقدمها الرسم العثماني وقولهم (المذهبان قد يستعملان في الرسم، دلالة على جوازهما فيه) و (ذلك من حيث عاملوا في كثير من الكتابة اللفظ والوصل، دون الأصل والقطع) [1] يظل صحيحا ومفيدا في تفسير الكثير مما جاء على غير القاعدة العامة في رسم الهمزة.
ولما كان أول الكلمة وآخرها أكثر عرضة للتأثر بمجاورة أصوات الكلمات السابقة واللاحقة، ولما كانت الهمزة في أول الكلمة لا تكون إلا محققة ولا ترسم إلا بالألف، وأن اتصالها قد يؤدي إلى تسهيلها، ولما كان رسم ما يخلف الهمزة المتطرفة عند تخفيفها يقوم على الوقف والسكون وأن اتصالها بما بعدها قد يغير حكم تخفيفها ومن ثم ينعكس ذلك على رسمها فإن مشكلات كتابة الهمزة قد تركزت في الهمزة المبتدئة وفي المتطرفة دون المتوسطة، فقد تتعرض الهمزة المبتدئة للتوسط بسبب اتصالها ببعض الزوائد، وقد تتعرض المتطرفة للتوسط أيضا بسبب اتصال الضمائر بها وقد تتعرضان للتوسط بسبب نطق الكلام متصلا. ولا شك في أن ذلك التوسط العارض قد ينعكس على رسم الكلمة، وقد يتغير لتغير النطق بالهمزة من التحقيق إلى التخفيف في المبتدئة، أو لتغير طريقة التخفيف في توسط المتطرفة.
(1) انظر ذلك في الفصل التمهيدي: ص 6967.