الياء اكتفاء بالكسرة، وقد قال الفراء [1] : إن للعرب في الياءات التي في أواخر الحروف مثل: اتبعن، وأكرمن، وأهانن، ومثل قوله: (دعوة الداع إذا دعان وقد هدان) أن يحذفوا الياء مرة ويثبتوها مرة، فمن حذفها اكتفى بالكسرة التي قبلها دليلا عليها، وذلك أنها كالصلة إذا سكنت، وهي في آخر الحروف، واستثقلت فحذفت، ومن أتمها فهو البناء والأصل، ويفعلون ذلك في الياء وإن لم يكن قبلها نون.
ويتضح من ذلك كله أن ما جاء محذوفا من رمز الكسرة الطويلة في آخر الكلمات في الرسم العثماني إنما كان استجابة لحذفها أو تقصيرها في اللفظ سواء أكان ذلك في حالة الوقف أم في حالة الوصل، جريا على قاعدة أن الأصل في الكتابة مطابقة الخط للفظ، لكن علينا أن نلاحظ أن هذه القاعدة لم تكن مطلقة، فقد جاءت بعض الكلمات التي آخرها ياء، سواء أكانت لام الكلمة أم زائدة للإضافة، مثبتة في الرسم في أربعين موضعا [2] ، مما حذفت من نظائر بعضها رمز الكسرة الطويلة، ولعل إثباتهم رمز الكسرة الطويلة في هذه المواضع إنما جرى على الأصل في كونها إما أنها تمثل كلمة أو أنها جزء من كلمة أو لثباتها في النطق في تلك الأمثلة.
ومما يؤيد أن ذلك الحذف كان استجابة للفظ هو ورود الرواية عن أئمة القراءة بذلك فمنهم من حذف وصلا ووقفا، ومنهم من أثبت وصلا وحذف وقفا على تفصيل في ذلك [3] .
استخدمت الكتابة العربية رمز الواو الصامتة (و) لتمثيل الضمة الطويلة (واو المد) ، مثل ما استخدمت رمز الياء في تمثيل الكسرة الطويلة، كما مر من قريب، وسبق أن أشرنا إلى أن استخدام رمزي الياء والواو في تمثيل الكسرة والضمة الطويلتين في الكتابة الآرامية قد حدث في فترة واحدة، وورثت الكتابة العربية ذلك الاستخدام عن طريق
(1) معاني القرآن، ج 1، ص 200.
(2) الداني: المقنع، ص (4645) .
(3) انظر مكي: الكشف، ج 1، ص 331. والداني: التيسير، ص (7069) . وابن الجزري: النشر، ج 2، ص 179وما بعدها.