لعل المستقبل كفيل بأن يكشف من الوسائل ما يعين على ترجيح أحد تلك الاحتمالات أو أن يأتي بتفسير واضح لتلك الظاهرة، لكنا نشير هنا إلى أن أي محاولة في هذا الصدد لا تقوم على اعتبار أن الظاهرة شاملة لكل واو وقعت متطرفة، لا يمكن أن تأتي بتفسير صحيح للمشكلة، وتقع في ما وقع فيه علماء العربية حين ظنوا أن الظاهرة لا تشمل إلا الأفعال التي تتصل بها واو الجمع في آخرها.
لقد خصصت دراسة رمز الهمزة بهذا المبحث لما أثير حول الهمزة: صوتا وكتابة من قضايا ومشكلات، ودراسة رمز الهمزة في الرسم العثماني تعني إثارة مشكلة هذا الصوت وطريقة تمثيله في الكتابة من كافة جوانبها، ولكن ليس من اليسير هنا ولا من الضروري، ونحن ندرس رمز الهمزة في الرسم العثماني، أن نتعرض بالتفصيل لطريقة إنتاج هذا الصوت، وخصائصه الصوتية، ودوره في بناء الكلمة العربية، وموقف القبائل العربية من تحقيقه في الكلام أو إسقاطه، وما نتج عن ذلك من مشكلات صوتية وصرفية، فقد تكفلت المصادر العربية، قديمة وحديثة، بتفصيل ذلك كله، ولذلك سوف أكتفي بما يساعد في الكشف عن مشكلة رمز الهمزة في الرسم العثماني خاصة، والكتابة العربية عامة.
أولا: طريقة تمثيل الهمزة في الكتابة العربية:
في اللغات السامية عامة صوت يعرف باسم (الألف) ، وهو أول حروف الأبجدية السامية، ويمثّل في كتابات تلك اللغات برمز معين واحد [1] ، وقد عرف ذلك الصوت في العربية باسم (الهمزة) ، ولكن الاسم القديم الذي صار علما على الفتحة الطويلة ظل يستعمل أحيانا للدلالة على الهمزة [2] .
ولما كان صوت الهمزة يتفرد، من بين أصوات اللغة، بطريقة إنتاجه، ويتطلب انطباق الوترين الصوتيين مع ضغط الهواء خلفهما، ثم انفراجهما فجأة فقد كثر سقوطه في الكلام [3] ، فالهمزة صوت مستثقل «لأنها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد، وهي أبعد
(1) جان كانتينو: ص 121.
(2) انظر ابن جني: سر صناعة الإعراب، ج 1، ص 46. وأبو الحجاج البلوي: ج 1، ص 315.
(3) انظر ابن الجزري: النشر، ج 1، ص 428. وجان كانتينو: ص 121. وقد أشار برجشتراسر