وبالمثل فإن إمكانيات البحث ووسائله تعجز عن إظهار الألوان في ضبط الكلمات كما روى علماء النقط، وكما نجده في بعض المصاحف المخطوطة القديمة، وسأحاول توضيح ذلك بالوصف ما أمكن، وكذلك قد يصعب إعطاء صورة مطابقة لما يروى في المصادر أو يوجد في بعض المصاحف المخطوطة وغيرها من علامات، ولكن سأحاول تبيين ذلك بخط اليد ما أمكن إن عجزت عن إظهاره الآلة الكاتبة.
كان نزول القرآن الكريم بالعربية، ودخول غير العرب في الإسلام، وحرصهم على تلاوة القرآن وتعلم العربية، وما حدث من انسياح المسلمين من قلب الجزيرة إلى كل جهات الأرض، وما صاحب ذلك كله من امتزاج لغوي ومن اتساع استعمال الكتابة قد خلق وضعا لغويا جديدا لم يكن من اليسير على الكتابة العربية أن تستجيب له وهي على حالتها القديمة من إهمال تمثيل الحركات، فمع ازدياد حجم النصوص التي تكتب بها ضعفت السليقة التي كان يقرأ بها العربي النص المكتوب قراءة صحيحة، كذلك فإن المسلمين من غير العرب لم يكن من اليسير عليها تجنب الخطأ فيما يقرءون من نصوص مكتوبة بها، فكان ذلك مدعاة للتفكير بوسيلة تعين على ضبط القراءة خاصة في القرآن الكريم ومن ثم فإن قول اللغوي الفرنسي فندريس [1] : إن العناية التي تبذلها اللغة في تسجيل الأصوات ترجع إلى انتشار اللغة بين أقوام لم يكونوا يتكلمونها بسليقتهم، يبدو صحيحا.
وقد أدرك علماء السلف تلك الحالة التي صارت إليها اللغة في أفواه الناطقين بها، والكتابة التي لم تكن تقدم العون الكافي لتجنب الخطأ في القراءة، فصور جانبا من ذلك أبو بكر الزبيدي بقوله [2] : ولم تزل العرب تنطق على سجيتها في صدر إسلامها وماضي جاهليتها حتى أظهر الله الإسلام على سائر الأديان، فدخل الناس فيه أفواجا، وأقبلوا إليه أرسالا، واجتمعت فيه الألسنة المتفرقة، واللغات المختلفة ففشا الفساد في اللغة العربية، واستبان منها في الإعراب الذي هو حليها، والموضح لمعانيها، فتفطن لذلك من نافر بطباعه سوء أفهام الناطقين من دخلاء الأمم بغير المتعارف من كلام العرب،
(1) اللغة، ص 406، وانظر يوهان فك: ص 11حيث يقول: «إن اتخاذ المسلمين الجدد لغة العرب لسانا لهم كان هو الدافع الأول للملاحظات النحوية» .
(2) طبقات النحويين واللغويين، ص 1.