فعظم الإشفاق من فشوّ ذلك وغلبته، حتى دعاهم الحذر من ذهاب لغتهم وفساد كلامهم إلى أن سبّبوا الأسباب في تقييدها لمن ضاعت عليه وتثقيفها لمن زاغت عنه.
وقد أحسن الداني في توضيح الأسباب التي دفعت السلف إلى تكميل الكتابة وخاصة في المصاحف حين قال [1] : إن الذي دعا السلف، رضي الله عنهم، إلى نقط المصاحف بعد أن كانت خالية من ذلك وعارية منه وقت رسمها وحين توجيهها إلى الأمصار ما شاهدوه من أهل عصرهم، مع قربهم من زمن الفصاحة ومشاهدة أهلها، من فساد ألسنتهم، واختلاف ألفاظهم، وتغير طباعهم، ودخول اللحن على كثير من خواص الناس وعوامهم، وما خافوه مع مرور الأيام وتطاول الأزمان من تزيّد ذلك، وتضاعفه فيمن يأتي بعد ممن هو لا شك في العلم والفصاحة والفهم والدراية دون من شاهدوه، ممن عرض له الفساد، ودخل عليه اللحن، لكي يرجع إلى نقطها ويصار إلى شكلها عند دخول الشكول وعدم المعرفة، ويتحقق بذلك إعراب الكلم، وتدرك كيفية الألفاظ.
وكانت علامات الحركات القصيرة الثلاث قد مرت بمراحل من التطور حتى استقرت على النحو الذي نراه اليوم في المصحف، وما يستعمله الناس في كتابتهم، فكانت تمثل في أول الأمر بواسطة نقط مدورة بلون يخالف لون المداد ثم أبدلت بمرور الأيام بعلامات أو حروف صغيرة توضع فوق الحرف أو تحته، وقد كان الانتقال من مرحلة النقط المدور لتمثيل الحركات إلى مرحلة الشكل المستطيل قد استغرق قرونا وتباين سرعة وبطءا تبعا لاختلاف الأمصار الإسلامية شرقا وغربا [2] .
(1) المحكم، ص (1918) .
(2) هناك مصطلحات ثلاثة أو أربعة تتردد في مجال تكميل الرسم العثماني والكتابة العربية وهي النقط والشكل والإعجام وأخيرا الضبط، وما شارك هذه الكلمات في المادة، أما (النقط) فهو من نقط الحرف ينقطه نقطا، والاسم النقطة والجمع النقط والنقاط، ونقّط المصاحف تنقيطا فهو نقاط (انظر ابن منظور: ج 9، ص 294، مادة نقط) وقد استعملت كلمة النقط في معنيين متقاربين الأول الدلالة على النقط الحمراء التي ينسب وضعها إلى أبي الأسود الدؤلي والتي تمثل الحركات القصيرة وتسمى (نقط الأعراب) أو (النقط المدوّر) تمييزا له عن المعنى الثاني للنقط وهو إعجام الحروف في سمتها بالسواد لتمييز الحروف المتشابهة في الصورة وقد عرف هذا باسم (نقط الإعجام) «والعجم: النّقط بالسواد، مثل التاء عليه نقطتان، يقال أعجمت الحرف، والتعجيم مثله، ولا تقل عجمت» (الجوهري: ج 5، ص 1981) «وتقول أعجمت الكتاب إعجاما إذا نقطته،