نشأت الدراسات العربية بفروعها المختلفة متعلقة بالقرآن الكريم، كتاب الله العزيز، فكان القرآن هو المحور الذي دارت حوله تلك الدراسات سواء منها تلك الدراسات التي تتعلق تعلقا مباشرا بتفسير القرآن، وتوضيح آياته وتبيين معناه واستنباط أحكام الشريعة منه، أو تلك التي تخدم هذه الأغراض جميعها، بالبحث في دلالة اللفظ واشتقاق الصيغ وتركيب الجمل والأسلوب والصور الكلامية واختلافها باختلاف المقام، حتى تلك الدراسات التي تتعلق بالرسم الإملائي والفلك والرياضة واستكناه أسرار الطبيعة، كل هذه الدراسات قامت أساسا لخدمة الدين الإسلامي ولغرض فهم القرآن الكريم مصدر التشريع الإسلامي ودستور المسلمين [1] . والرسم الإملائي ولا شك قديم وسابق للوقت الذي أنزل فيه القرآن غير أن العناية بالقرآن الكريم وصيانته عن اللحن هي التي دعت العلماء في الصدر الأول إلى البحث عن طريقة تمنع من يتلو النص القرآني من الوقوع في اللحن بسبب خلوه من رموز الحركات، واشتراك بعض الأصوات في رمز كتابي واحد [2] .
وكانت من مظاهر أثر الإسلام على الكتابة العربية هذه المجالات الرحبة التي دخلتها الكتابة وذلك الاستعمال الواسع الذي نقلها من مجرد كونها كتابة محصورة في معاملات تجارية وأغراض دينية محدودة لبضع جماعات من العرب إلى كتابة عالمية تخدم حاجات دولة امتدت في قرن من الزمن إلى مساحات مترامية وضمت أقواما شتى استعملوا هذه الكتابة كما لو كانت كتابتهم منذ سحيق الزمن لأنها كانت الكتابة التي كتب بها القرآن الكريم الذي آمنوا بما جاء فيه وأحبوه.
ويضع الرسم العثماني أمامنا نموذجا صادقا لما كانت عليه الكتابة العربية في النصف
(1) انظر د. رمضان عبد التواب: ص 90.
(2) نفس المصدر، ص 95.