عرضنا في المبحث الأول من هذا الفصل لعلامات الحركات وهي علامات أخذت حكم رموز الأصوات الصامتة والحركات الطويلة رغم أنها كانت توضع خارج النظر من حيث دلالتها على صوت لغوي معين، وهي لذلك تتصف بقابلية تبادل المواقع في الكلمات كلما تغيرت صيغ تلك الكلمات أو مواقعها، وعرضنا في المبحث الثاني لعلامات أضيفت إلى بعض الحروف على صفة الثبوت، وهي لا تدل على صوت لغوي معين، لكنها ساهمت في تخصيص صوت معين برمز معين وهذه العلامات التي هي نقط الإعجام ليست ذات قابلية لتبادل المواقع في الحروف، فقد أصبحت جزءا أساسيا في شكل الحرف كأنها ذنب له أو عراقة منه تميزه عن غيره من الحروف، فكما أن عراقة القاف المتطرفة تختلف عن عراقة الفاء المتطرفة فيتميز الحرفان كذلك فإن إعجام الباء يختلف عن إعجام الياء مثلا فيتميز الحرفان بذلك بعد أن كانا يشتركان بصورة خطية واحدة في غير حالة التطرف.
وإلى جانب هذين النوعين هناك نوع ثالث من العلامات يختلف عن كلا النوعين السابقين لكنه مع ذلك يأخذ من خصائص كل منهما، فهو كالحركات يتبادل في الموقع غالبا لكنه يكاد يكون كالإعجام في عدم تمثيل صوت لغوي معين، فعلامات هذا النوع تقوم بتخصيص حالات نطقية معينة لا تمثيل أصوات لغوية بأعيانها، لأن الأصوات العربية استوفت حقها من الرموز والعلامات بعد وضع علامات الحركات القصيرة الثلاث، ولذلك فإن ما عداها من علامات لم يعد يمثل أصواتا لغوية بالمعنى الدقيق لذلك بل هي علامات تعين القارئ على تحقيق كيفية نطقية معينة.
وسبق أن أوردنا قول ابن درستويه الذي ميز بين ضربين من الشكل: ضرب هو صور الحركات والسكون، وضرب هو زيادة يؤتى بها مع الحرف للفرق، وتقوم مقام الإعجام في الحروف، ويمكن أن نسمي الضرب الأول شكلا محضا والثاني شكلا ليس بمحض.
أما الضرب الثاني من الشكل الذي تحدث عنه ابن درستويه بقوله (1) : «أما الشكل الذي هو زيادة للفرق فهو خمس علامات: التشديد والتنوينة والهمزة والمدة وعلم ألف الوصل» . وقد جعل ابن درستويه السكون مع علامات الشكل المحض، والواقع اللغوي يأبى ذلك، لأن السكون من الوجهة الصوتية المحضة ليس صوتا مثل الحركات أو غيرها، وليس هو إلا علامة على انعدام الحركة (2) . فهو إذن سادس هذه العلامات.