وسبق أن أوردنا قول ابن درستويه الذي ميز بين ضربين من الشكل: ضرب هو صور الحركات والسكون، وضرب هو زيادة يؤتى بها مع الحرف للفرق، وتقوم مقام الإعجام في الحروف، ويمكن أن نسمي الضرب الأول شكلا محضا والثاني شكلا ليس بمحض.
أما الضرب الثاني من الشكل الذي تحدث عنه ابن درستويه بقوله [1] : «أما الشكل الذي هو زيادة للفرق فهو خمس علامات: التشديد والتنوينة والهمزة والمدة وعلم ألف الوصل» . وقد جعل ابن درستويه السكون مع علامات الشكل المحض، والواقع اللغوي يأبى ذلك، لأن السكون من الوجهة الصوتية المحضة ليس صوتا مثل الحركات أو غيرها، وليس هو إلا علامة على انعدام الحركة [2] . فهو إذن سادس هذه العلامات.
وقد مر في المبحث السابق أن الخليل بن أحمد وضع إلى جانب علامات الحركات الثلاث علامة الهمزة والتشديد والروم والإشمام [3] . ويجعل أبو الحجاج البلوي مكان الهمزة كلمة (التمدد) كما سبق ولعله يقصد علامة المد أو أنه تحريف لكلمة الهمزة، إذ يبدو أنه نقل كلام الداني السابق، ونحاول في هذه الصفحات أن نتتبع هذه العلامات وتطورها في المصاحف والكتابة العربية.
لم تعان الكتابة العربية على ما يبدو من مشكلة تتعلق بالهمزة في السنين الأولى من تاريخ الإسلام وفي ما سبق ذلك، بل الظاهر أن المصاحف العثمانية كتبت والناس في الحجاز لا يعرفون للهمزة رمزا سوى (الألف) وربما لم يكونوا يستعملون مصطلح الهمزة حينذاك، ويكتفون باستعمال الاسم القديم، كما بيّنا ذلك في فصل سابق.
وبعد أن أرسلت المصاحف العثمانية إلى الأمصار الإسلامية كانت معتمد الأمة في كل الأقطار والأمصار، ليس في تحقيق ألفاظ التلاوة وحسب بل في رسم الكلمات أيضا وقد مرت الأيام مسرعة وحدث ما أشرنا إلى بعضه من تعرض اللغة العربية في المجتمعات الجديدة إلى امتزاج لغوي بين لهجات العربية التي كانت تتقاسم سكان الجزيرة. وكانت ظاهرة الهمز إحدى جوانب ذلك الامتزاج اللغوي، وقد بيّنا في الفصل السابق أن العربية أخذت تتبنى ظاهرة الهمز وأن ذلك الاتجاه لقي دعما في تبني الحركة العلمية اللغوية في العراق له، بسبب اتجاه العلماء إلى أخذ اللغة عن قبائل شرق
(1) كتاب الكتاب، ص 56.
(2) انظر د. كمال محمد بشر: دراسات في علم اللغة، ق 1، ص 184.
(3) المحكم، ص 6.