تتيح معرفة واسعة بخصائص الكتابة العربية آنذاك، إذ إنها جميعا لا تساوي ما تقدمه أقصر سورة في المصحف الشريف. وستتضح لنا هذه الخصائص بصورة أكثر جلاء عند ما ندرسها على ضوء ما يقدم الرسم العثماني من أمثلة، وحين ندرس الرسم العثماني على ضوء ما تقدّم هي من فهم لتلك الأمثلة، بالإضافة إلى جوانب أخرى من الكتابة العربية في هذه الفترة لم تستطع النقوش أن تقدم بيانا واضحا لها، ولم تستطع النقوش النبطية أن تسعفنا بشيء في هذا الصدد خاصة في رمز (الألف) الذي يبدو في الكتابة النبطية غالبا يمثل (الهمزة) وأحيانا الفتحة الطويلة، لكن الهمزة وطريقة كتابتها في النقوش العربية غير واضحة، وسنشير إلى شيء مما يتعلق بهذا حين ندرس رمز الهمزة في الرسم العثماني.
أولا: موقف المحدثين:
من المسلم به بصورة عامة أن الكتابة بدأت تصويرية منذ أقدم العصور، فالصورة ترمز إلى الشيء الذي تمثله فحسب، ثم تطورت لترمز إلى المعاني غير الحسية، ومرت فترة طويلة حتى استطاع الإنسان أن يتحرر من ذلك النظام الكتابي الذي يتطلب معرفة مئات الصور، بقدر ما في اللغة من كلمات، ليستخدم نظاما أكثر بساطة يتكون من عدد محدود من الرموز، يمثل كل رمز وحدة صوتية معينة من أصوات اللغة، فالكلمة تمثل في هذا النظام بمجموعة رموز الأصوات التي تتألف منها، لا بواسطة صورة معينة، ويمكن بواسطة هذا النظام كتابة عدد غير محدود من الكلمات باستعمال ذلك العدد المحدود من الرموز. ويعرف النظام الأول بالنظام التصويري، ويعرف الثاني بالنظام الأبجدي [1] أو الهجائي.
إن نظام الكتابة الأبجدي يكون عند اختراعه أو استعماله لأول مرة في كتابة لغة ما دقيقا وممثلا لأصوات اللغة قدر المستطاع، وخاليا من الغموض والتقصير، ولكنه بمرور الزمن لا يحافظ على هذه الصفات، فاللغة تتغير، ولكن الناس أكثر محافظة في الكتابة، فيقصر نظام الكتابة عن خطى اللغة المتغيرة، وفي النهاية تتكون انحرافات وتعقيدات كتابية من نوع تلك التي نجدها في الأبجديات المعاصرة [2] .
والكتابة الهجائية المستعملة حاليا في كثير من اللغات لا تمثل أصوات تلك اللغات
(1) وربما يطلق على الأول النظام المورفيمي وعلى الثاني النظام الفونيمي ، انظر:.،. 935
(2) د. كمال محمد بشر: الأصوات، ص 235، وانظر:،. 545