منه [1] .
ويذكر الباقلاني أيضا الرواية التي تشير إلى أن الحجاج أمر عاصما الجحدري وابن أصمع بتتبع المصاحف، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحف وجدوه مخالفا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهما، ثم يقول: «أراد الحجاج أن يرد المصاحف إلى مصحف عثمان ولا تغيّر عنه لئلا ينخرق الأمر، ويمكن أن يكون أسقط منها ما روي رواية الآحاد، أو نسخت تلاوته» [2] .
ومما يشير إلى اهتمام الحجاج بالمصاحف ونسخها وضبطها ما نقله السمهودي عن ابن زبالة صاحب مالك بن أنس، فقد روى عن مالك قوله: «أرسل الحجاج بن يوسف إلى أمهات القرى بمصاحف، فأرسل إلى المدينة بمصحف كبير منها، وهو أول من أرسل بالمصاحف إلى القرى» [3] .
ولعل في ما ذكرناه من روايات وما يتبين من معنى التغيير المذكور في الرواية التي ينقلها ابن أبي داود ثم معرفة طبيعة المواضع التي قيل إن التغيير شملها ما يعطي الفهم الصحيح للرواية، وهو أن الجماعة الذين أمرهم الحجاج بالنظر في المصاحف قد صححوا تلك المواضع على نحو ما في المصحف العثماني، وتنتفي بذلك هذه الشبهة أصلا.
يبدو أن طائفة من المستشرقين قد غفلوا وهم يدرسون تاريخ القرآن وقراءاته عن حقيقة جلية واضحة هي أن القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فكان يتلوه على الناس من حفظه لا من كتاب، وهم يسمعونه ويحفظونه، ولم تكن الكتابة هي الوسيلة في نشر القرآن وتعليمه، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بكتابته وحفظه وأذن لمن شاء من الصحابة أن يكتبه، وهو حين أراد أن يعلم أهل المدينة القرآن قبل الهجرة لم يعطهم مصحفا
(1) نفس المصدر، ج 1، ص (285284) .
(2) نكت الانتصار، ص 397.
(3) نقلا عن د. صلاح الدين المنجد، ص 46، وهو يشير إلى (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) ، للسمهودي 1/ 668.