فهرس الكتاب

الصفحة 608 من 692

يقرءونه، وإنما أرسل معهم مقرئا يتلو القرآن فيسمعونه، وظلت تلك سنة مأثورة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فحين طلب يزيد بن أبي سفيان من عمر أن يعينه على تعليم أهل الشام القرآن أرسل إليه ثلاثة من كبار القراء من الصحابة ولم يرسل إليهم مصاحف يقرءون فيها.

وحين بعث عثمان المصاحف الأئمة التي نسخت في المدينة إلى الأمصار أرسل معها من يقرئ الناس بما فيها. والشواهد في هذا المعنى كثيرة، وما أشهر القول المأثور عن الصحابة والتابعين (القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول أو القراءة سنة لا تتعدى) غفل هؤلاء عن هذه الحقيقة الكبرى في تاريخ القرآن والقراءات فادعى بعضهم أن كثيرا من القراءات كانت نتيجة لما اتصف به الرسم العثماني من تجرده من علامات الحركات وتمييز الحروف المتشابهة فضلوا بهذا القول وأضلوا كثيرا.

ولعل أشهر من عرف قوله في ذلك من المستشرقين هو جولدتسيهر المجريّ الأصل (ت 1921م) فقد قال في أول كتابه مذاهب التفسير الإسلامي وهو يتحدث عن اختلاف القراءات [1] : «وترجع نشأة قسم كبير من هذه الاختلافات إلى خصوصية الخط العربي، الذي يقدم هيكله المرسوم مقادير صوتية مختلفة، تبعا لاختلاف النقاط الموضوعة فوق هذا الهيكل أو تحته، وعدد تلك النقاط، بل كذلك في حالة تساوي المقادير الصوتية، يدعو اختلاف الحركات الذي لا يوجد في الكتابة العربية الأصيلة ما يحدده، إلى اختلاف مواقع الإعراب للكلمة، وبهذا إلى اختلاف دلالتها، وإذا فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط، واختلاف الحركات في المحصول الموحد القالب من الحروف الصامتة، كانا هما السبب الأول في نشأة حركة اختلاف القراءات في نص لم يكن منقوطا أصلا، أو لم تتحر الدقة في نقطه أو تحريكه» .

ثم يقدم بعد قوله هذا أمثلة حاول الاستدلال بها على أثر الخط في نشأة القراءات فذكر من الأمثلة التي أرجعها إلى عدم وجود نقط الإعجام الذي يميز بين الحروف المتشابهة في الرسم [2] :

1 -في سورة الأعراف {قََالُوا مََا أَغْنى ََ عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمََا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) } ذكر أن بعضهم قرأ (تستكثرون) بالثاء بعد الكاف.

(1) مذاهب التفسير الإسلامي، ص (98) .

(2) نفس المصدر، ص (139) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت