فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 692

وقبل أن يمضي البحث في دراسة الرسم المصحفي: تاريخه وخصائصه وتطوره، رأيت أن أختم هذا الفصل بمبحث عن المبادئ التي تنبني عليها الكتابات الأبجدية، إذ إن عامة تلك الكتابات قاصرة الآن عن الوفاء بمتطلبات اللغة، فهناك عوامل كثيرة تسهم في إعطاء الكتابة عامة خصائصها، وذلك ضروري لفهم ما يبدو في الرسم العثماني من تعدد القواعد أحيانا، وعدم اطراد الظواهر الكتابية أحيانا أخرى، مبينا موقف علماء العربية والقراءات والرسم من ذلك، وما تضيفه الدراسات الحديثة في هذا المجال.

المبحث الأول أصل الكتابة العربية وعلاقتها بالخطوط السّاميّة

أولا: حالة الكتابة العربية قبل الرسم العثماني:

لعل من المفيد قبل مناقشة أصل الكتابة العربية الإشارة إلى رأي المصادر العربية في مدى انتشار الكتابة قبل الرسم العثماني، وليس جديدا القول بأن بزوغ شمس الإسلام كان إيذانا بنهضة كتابية عظيمة، تتمثل في حرص النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم على تعلم الصحابة الكتابة، وعلى تدوين القرآن الكريم منذ فجر البعثة النبوية، مما سنعرض له مفصلا في فصل تال.

أما حالة الكتابة العربية قبل الإسلام فقد اضطربت فيها روايات الأقدمين، وكاد ذلك الاضطراب أن يصيب آراء المحدثين، فهذا ابن قتيبة (ت 276 هـ) يقول [1] : «وكانت الكتابة في العرب قليلا» . ويقول عن الصحابة وهو يتحدث عن إذن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعبد الله بن عمرو بتقييد الحديث: «وكان غيره من الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي» [2] . ويتطرف البلوي (ت 604 هـ) حين يذهب إلى انعدام الكتابة عند العرب في الجاهلية، وأن الشعر قد جعل لهم عوضا [3] . وقد انساق عدد من المحدثين وراء دعوى أمية العرب قبل الإسلام، وندرة الكتابة بينهم «فإذا وجد فيهم من يكتب ويقرأ فإنما هو نزيل هبط إليهم، أو آئب من

(1) ابن قتيبة الدينوري (أبو محمد عبد الله بن مسلم) : المعارف، ط 3، بيروت. دار إحياء التراث العربي 1970، ص 130، وانظر: أبو بكر بن العربي (محمد بن عبد الله) : أحكام القرآن، ط 1، دار إحياء الكتب العربية، 1958، ق 4، ص 1944.

(2) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث، مطبعة كردستان العلمية بمصر 1326 هـ، ص 366.

(3) البلوي (أبو الحجاج يوسف بن محمد) : ألف باء، جمعية المعارف بمصر 1287 هـ، ج 1، ص 70، وانظر: الجمحي (محمد بن يوسف) : طبقات فحول الشعراء، دار المعارف بمصر 1952، ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت