فهرس الكتاب

الصفحة 566 من 692

والثانية هي أن الرسم العثماني إنما كتب لتمثيل القراءة العامة المشهورة في المدينة وهو ما رجحته من قبل ثم إن المسلمين في الأمصار الإسلامية قرءوا القرآن على ما رووه وحفظوه عن الصحابة الذين نزلوا بينهم، وفيه كثير مما تحتمله رخصة الأحرف السبعة، ولكنهم قرءوا بما يوافق خط المصحف دون ما خالفه، رغبة منهم في عدم الخروج على إجماع الصحابة. ومن ثم فقد ارتبطت بالرسم كل القراءات التي صح نقلها ولم تخرج عن الرسم. وصارت موافقة الرسم أحد شروط القراءة الصحيحة كما مر بيان ذلك من قريب وعلينا أن نلاحظ أن تحديد القراءة التي رسم عليها المصحف لم يعد ممكنا، فقد صارت كل قراءة موافقة للرسم يمكن أن تكون هي تلك القراءة. وقد كان لظاهرة الاختيار في القراءات أثر في ذلك، وكان مكي بن أبي طالب قد فصل هذه القضية وبيّن أن المصحف كتب على حرف واحد وأن خطه محتمل لأكثر من حرف، إذ لم يكن منقوطا ولا مضبوطا، ولكنا لا نعلم ذلك الحرف بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحت روايته مما يحتمله ذلك الخط، لنتحرى مراد عثمان رضي الله عنه ومن تبعه من الصحابة وغيرهم. ولا شك أن ما زاد على لفظ واحد في كل حرف اختلف فيه

ليس مما أراد عثمان، فالزيادة لا بد أن تكون من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ثم يقول أخيرا «وقد أجمع المسلمون على قبول هذه القراءات التي لا تخالف المصحف، ولو تركنا القراءة بما زاد على وجه واحد من الحروف لكان لقائل أن يقول:

لعل الذي تركت هو الذي أراد عثمان» [1] .

أولا: وجوه المخالفة الجائزة التي ترجع إلى طبيعة الكتابة:

أحس علماء الرسم والقراءات العربية أن هجاء بعض الكلمات كثيرا ما يشتمل على رموز زائدة لا تلفظ، ورموز تلفظ على غير ما يدل عليه رسمها، وأصوات تلفظ وليس في الكتابة ما يدل عليها، ولذلك أشاروا إلى وجوب اتباع النطق المروي والمعروف دون الالتفات إلى المكتوب. قال ابن المنادي وقد نقلنا قوله هذا من قبل: «إن من المكتوب ما لا تجوز به القراءة من وجه الإعراب، وإن حكمه أن يترك على ما خطّ، ويطلق للقارئين أن يقرءوا بغير الذي يرونه مرسوما» [2] . وقال ابن الجزري: «كم من موضع خولف فيه الرسم وخولف فيه الأصل، ولا حرج في ذلك إذا صحت الرواية» [3] .

وهذه المخالفة بين الرسم وبين القراءة جائزة مقبولة، بل تحتمها ضرورة تحقيق الكلام المنطوق على وجهه الصحيح. ولا يلتفت إلى ما في الرسم من زيادة أو نقص أو غير ذلك، وقد قال الزركشي: «اتفقت في خط المصاحف أشياء خارجة عن القياسات التي يبنى عليها علم الخط والهجاء، ثم ما عاد ذلك بنكير ولا نقصان لاستقامة اللفظ وبقاء الحفظ، وكان اتباع خط المصحف سنة لا تخالف» [4] .

ومن أمثلة ذلك رسم الفتحة الطويلة واوا في بضعة كلمات هي (الصلاة الزكوة الحيوة منوة مشكوة الغدوة الربوا) . أو رسمها ياء في كثير من الكلمات من مثل (رمى هدى يسعى يخشى الأعلى المرعى الذكرى الذكرى موسى عيسى) فيلفظ في مثل هذه الكلمات بالفتحة الطويلة دون الالتفات إلى كونها مرسومة واوا أو ياء. ويمكن كذلك أن ندرج مع هذه الأمثلة كيفية رسم الهمزة، ذلك

(1) انظر: الإبانة، (54) .

(2) الداني: المحكم، ص 185.

(3) النشر، ج 2، ص 141.

(4) البرهان، ج 1، ص 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت