لأنها رسمت في المصحف على لغة من يترك الهمز، وكتب ما خلفها في اللفظ واوا أو ياء أو ألفا، ومن ثم فإن الذين يحققون الهمزة إنما ينطقون صوتا لا يدل الرسم عليه.
وقد أشرنا إلى ذلك مفصلا من قبل، وكيف صار رمز الهمزة مركبا من أحد الحروف الثلاثة وعليه رأس العين.
ومثل ذلك أيضا ما رسم من رموز زائدة لتمثيل نطق قديم قد حل محله نطق ورموز جديدة، لكن الرمز القديم ظل في الكتابة ثابتا، ويتجلى هذا في مسألة تمثيل الهمزة فقد رسمت بألف وواو في مثل (أولئك سأوريكم) وألف وياء في مثل (بايية باييد مائة نبإى تلقائ) وما أشبه ذلك، ولا شك أن هذين الرمزين لا يقابلهما في اللفظ إلا صوت واحد، والقارئ لا يلتفت إلى الرمز الزائد، ومن هذا الباب أيضا الألف الزائدة التي ترسم بعد الواو المتطرفة، فهي لا يقابلها في النطق شيء وعلى القارئ أن يهملها حتما.
ولم تكن الكتابة العربية في زمن المصاحف العثمانية تمثل الحركات القصيرة وبعض الحركات الطويلة، خاصة رمز الفتحة الطويلة، ولا بد للقارئ من الاستعانة بالحفظ والمتعارف عليه من اللفظ لاستيفاء نطق الأصوات الحركية غير الممثلة في الرسم.
وقد ذهب بعض علماء الرسم والقراءات بناء على ذلك إلى أن موافقة القراءة لخط المصحف تكون تحقيقا أو تقديرا، مع تغاضبهم عن رموز الحركات القصيرة، فقد قال الجعبري: إن موافقة المصاحف تكون تحقيقا كقراءة ملك يوم الدّين (4) [الحمد] بالقصر. وتقديرا كقراءة المد، وهذا الاختلاف اختلاف تغاير، وهو في حكم الموافق، أي: لا يلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر، ويكون اختلاف تضاد وتناقض، أي يلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر، والواقع هو الأول. وتحقيقه أن الخط تارة يحصر جهة اللفظ، فمخالفه مناقض، وتارة لا يحصرها، بل يرسم على أحد التقادير، فاللافظ به موافق تحقيقا، وبغيره موافق تقديرا لتعدد الجهة إذ البدل في حكم المبدل، وما زيد في حكم العدم، وما حذف في حكم الثابت، وما وصل في حكم الفصل وما فصل حكم الوصل، وحاصله أن الحرف يبدل في الرسم ويلفظ به اتفاقا مثل {وَاصْطَبِرْ (65) } * [مريم] ، ويرسم ولا يلفظ به اتفاقا مثل (الصلاة) ، ويرسم ويختلف في اللفظ به مثل (الغدوة) ، ويزاد ويلفظ به اتفاقا مثل {حِسََابِيَهْ (20) } * [الحاقة] ويزاد ولا
يلفظ به اتفاقا مثل {أُولََئِكَ} * و (مائة) ، ويزداد ويختلف في النطق به، مثل {سُلْطََانِيَهْ (29) }
[الحاقة] ، ويحذف كذلك نحو {بِسْمِ اللََّهِ} * و {يََا رَبِّ} * وكذلك {الرَّحْمََنِ} * وكذا {الدََّاعِ (186) } * [البقرة] ويوصل ويتبعه اللفظ مثل {مَنََاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] و (عليهم) ، ويخالفه نحو {كهيعص} ويبنؤمّ (94) [طه] ويختلف فيه نحو {وَيْكَأَنَّ (82) }
[القصص] . ويفصل ويوافق نحو {حم عسق} ولا يوافق مثل {إِسْرََائِيلَ} *، ويختلف فيه نحو (مال) (1) .