وقد ذهب بعض علماء الرسم والقراءات بناء على ذلك إلى أن موافقة القراءة لخط المصحف تكون تحقيقا أو تقديرا، مع تغاضبهم عن رموز الحركات القصيرة، فقد قال الجعبري: إن موافقة المصاحف تكون تحقيقا كقراءة ملك يوم الدّين (4) [الحمد] بالقصر. وتقديرا كقراءة المد، وهذا الاختلاف اختلاف تغاير، وهو في حكم الموافق، أي: لا يلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر، ويكون اختلاف تضاد وتناقض، أي يلزم من صحة أحدهما بطلان الآخر، والواقع هو الأول. وتحقيقه أن الخط تارة يحصر جهة اللفظ، فمخالفه مناقض، وتارة لا يحصرها، بل يرسم على أحد التقادير، فاللافظ به موافق تحقيقا، وبغيره موافق تقديرا لتعدد الجهة إذ البدل في حكم المبدل، وما زيد في حكم العدم، وما حذف في حكم الثابت، وما وصل في حكم الفصل وما فصل حكم الوصل، وحاصله أن الحرف يبدل في الرسم ويلفظ به اتفاقا مثل {وَاصْطَبِرْ (65) } * [مريم] ، ويرسم ولا يلفظ به اتفاقا مثل (الصلاة) ، ويرسم ويختلف في اللفظ به مثل (الغدوة) ، ويزاد ويلفظ به اتفاقا مثل {حِسََابِيَهْ (20) } * [الحاقة] ويزاد ولا
يلفظ به اتفاقا مثل {أُولََئِكَ} * و (مائة) ، ويزداد ويختلف في النطق به، مثل {سُلْطََانِيَهْ (29) }
[الحاقة] ، ويحذف كذلك نحو {بِسْمِ اللََّهِ} * و {يََا رَبِّ} * وكذلك {الرَّحْمََنِ} * وكذا {الدََّاعِ (186) } * [البقرة] ويوصل ويتبعه اللفظ مثل {مَنََاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] و (عليهم) ، ويخالفه نحو {كهيعص} ويبنؤمّ (94) [طه] ويختلف فيه نحو {وَيْكَأَنَّ (82) }
[القصص] . ويفصل ويوافق نحو {حم عسق} ولا يوافق مثل {إِسْرََائِيلَ} *، ويختلف فيه نحو (مال) [1] .
وتحدث ابن الجزري أيضا عن المخالفة الجائزة للرسم فذكر أن من شروط القراءة الصحيحة «موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا» وبين أنه يعني بقوله ولو احتمالا ما يوافق الرسم ولو تقديرا، وأشار إلى أن موافقة الرسم قد تكون تحقيقا وهي الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديرا وهي الموافقة احتمالا، ثم بيّن ما يجوز وما لا يجوز من وجوه المخالفة، فقال: إن مخالف صريح الرسم في حرف مدغم أو ثابت أو محذوف أو نحو ذلك لا يعد مخالفا إذا ثبتت القراءة به ووردت مشهورة مستفاضة ألا ترى أنهم لم يعدوا إثبات ياءات الزوائد وقراءة وأكون من الصالحين [المنافقون: 10] والظاء في (بضنين) (التكوير 81/ 24) ونحو ذلك من مخالفة الرسم المردودة، فإن الخلاف في ذلك يغتفر إذ هو قريب يرجع إلى معنى واحد، وتمشيه صحة القراءة وشهرتها وتلقيها بالقبول، وذلك بخلاف زيادة كلمة ونقصانها وتقديمها وتأخيرها حتى ولو كانت حرفا واحدا من حروف المعاني فإن حكمه في حكم الكلمة لا تسوغ مخالفة الرسم فيه، وهذا هو الحد الفاصل في حقيقة اتباع الرسم ومخالفته [2] .
وتحدث أبو بكر الأنباري عن الوقف على ما رسم بالتاء أو بالهاء من الأسماء المؤنثة وذكر اختلاف القراء في ذلك، وهو يظهر هنا جانبا من المخالفة الجائزة للرسم، فقد ذكر أن كل هاء دخلت للتأنيث فالوقف عليها بالهاء، والتاء جائز، ألا ترى أنهم كتبوا في المصحف بعضها بالتاء وبعضها بالهاء، واختلف القراء في ذلك، فكان أكثرهم يقولون: الوقف على ما في المصحف لا يتعدى، فما كان في المصحف بالتاء وقفنا عليه بالتاء، وما كان بالهاء وقفنا عليه بالهاء، وقال آخرون: أنت مخير في ذلك، إن
(1) خميلة أرباب المراصد، ورقة (6أ 7ب) ، ونقل هذا النص القسطلاني، ج 1، ص (285284) .
(2) انظر: النشر، ج 1، ص (1211) .