وقرأهما بعضهم بنون واحدة [1] ، وقد علل علماء السلف حذف صورة النون الثانية إن لم تكن قد كتبت على القراءة الأخرى بأنها لما كانت ساكنة وتلاها الجيم فإنها كما يقول الفراء «تخفى ولا تخرج عن موضع الأولى، فلما خفيت حذفت، ألا ترى أنك لا تقول فننجي بالبيان، فلما خفيت الثانية حذفت، واكتفي بالنون الأولى منها، كما يكتفى بالحرف من الحرفين فيدغم ويكون كتابهما واحدا» [2] . ولكن الفراء هنا جعل النون الباقية في الرسم تقوم مقام المحذوفة كالمدغم، والصواب أن النون الأولى لا تعلّق لها بالثانية لوجود الضمة بينهما، ويكون ما ينقله ابن قتيبة في ذلك «بأن النون تخفى عند الجيم فأسقطها كاتب المصحف لخفائها وبنية إثباتها» [3] أكثر دقة واحتمالا للصواب، إلا أن ذلك لا يمنع أن يكون الكاتب حين أحس بضعف النون قد استأنس بالمثبتة عن المحذوفة، ورغم أن التأثر هنا بين النون والجيم لا يرقى إلى درجة التأثر في حالة الإدغام الذي يوجب كتابة الصوتين المدغمين برمز واحد، فإن ورود كلمتي {أَنْ جََاءَكُمْ} * [الأعراف: 69] موصولتين في مصحف طشقند (أنجاكم) بسبب الإخفاء الذي لحق النون الساكنة حين لقيت الجيم قد يؤيد القول بأن النون الثانية حذفت بسبب الإخفاء الذي لحقها، وفي رواية ينقلها أبو عمرو الداني رغم أنه يردها أن النون قد حذفت في بعض المصاحف على نحو ما حذفت من (ننجي) في قوله تعالى:
{لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) } [يونس] [4] . ولعل حذف لنون من (للنظر) قد كان بسبب إخفائها أيضا، وربما يدخل هذان المثالان كظاهرة هجائية في باب استجابة الكاتب لما هو منطوق على نحو ما بينا قبل قليل، ولعل ندرة أمثلة هذه الظاهرة إن صح هذا الفهم لها يرجع إلى أن التأثر هنا محدود، ومن ثم لم يجد الكاتب دافعا قويا لتغيير الرمز كما لم يغير أو يحذف رمز النون في كلمة مثل (منذر) .
ردد علماء السلف كثيرا أن الأصل في كتابة الكلمة هو أن تكتب بصورة لفظها بتقدير
(1) الداني: التيسير، ص 130و 155. والدمياطي: ص 268و 311.
(2) الفراء: معاني القرآن، ج 2، ص 56. وانظر أيضا: ج 2، ص 210.
(3) تأويل مشكل القرآن، ص 39. وانظر ابن مجاهد: ص 352.
(4) المقنع، ص 90.