سبق في الفصل الأول بيان مظاهر قصور الكتابة في تمثيل النطق تمثيلا دقيقا، وأشير إلى ذلك في مطلع هذا الفصل، وأحاول في هذا المبحث بيان العلاقة بين وجوه القراءات المختلفة وبين الرسم، ومدى المخالفة الجائزة والمسموح بها في مخالفة القراءة للرسم، معتمدا في ذلك على حقيقتين:
الأولى هو ما أشير إليه أكثر من مرة في هذا البحث من كون الكتابة لا تحصر جهة اللفظ دائما، وأن تطور اللغة قد عمل عمله في توسيع الفجوة بين رموز الكتابة المكتوبة وبين نطقها ذلك لأن النطق أكثر استجابة للتطور والتغير بينما الكتابة أكثر ميلا للمحافظة على هجاء الكلمات المعروف رغم ما قد يلحق نطقها من تغير.
والثانية هي أن الرسم العثماني إنما كتب لتمثيل القراءة العامة المشهورة في المدينة وهو ما رجحته من قبل ثم إن المسلمين في الأمصار الإسلامية قرءوا القرآن على ما رووه وحفظوه عن الصحابة الذين نزلوا بينهم، وفيه كثير مما تحتمله رخصة الأحرف السبعة، ولكنهم قرءوا بما يوافق خط المصحف دون ما خالفه، رغبة منهم في عدم الخروج على إجماع الصحابة. ومن ثم فقد ارتبطت بالرسم كل القراءات التي صح نقلها ولم تخرج عن الرسم. وصارت موافقة الرسم أحد شروط القراءة الصحيحة كما مر بيان ذلك من قريب وعلينا أن نلاحظ أن تحديد القراءة التي رسم عليها المصحف لم يعد ممكنا، فقد صارت كل قراءة موافقة للرسم يمكن أن تكون هي تلك القراءة. وقد كان لظاهرة الاختيار في القراءات أثر في ذلك، وكان مكي بن أبي طالب قد فصل هذه القضية وبيّن أن المصحف كتب على حرف واحد وأن خطه محتمل لأكثر من حرف، إذ لم يكن منقوطا ولا مضبوطا، ولكنا لا نعلم ذلك الحرف بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحت روايته مما يحتمله ذلك الخط، لنتحرى مراد عثمان رضي الله عنه ومن تبعه من الصحابة وغيرهم. ولا شك أن ما زاد على لفظ واحد في كل حرف اختلف فيه
ليس مما أراد عثمان، فالزيادة لا بد أن تكون من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ثم يقول أخيرا «وقد أجمع المسلمون على قبول هذه القراءات التي لا تخالف المصحف، ولو تركنا القراءة بما زاد على وجه واحد من الحروف لكان لقائل أن يقول: