والملاحظ أن الروايات السابقة تشير إلى أن أبا الأسود جعل تمييز نوع الحركة متوقفا على وضع الشفتين أو الفم، وكأن كاتبه كان معلق البصر يتابع حركة شفتيه، ولكن لا شك في أنه استطاع أن يميز بين الحركات الثلاث تبعا لاختلاف الجرس المتولّد عن كل منها بعد فترة قصيرة من ابتداء العمل، وقبل أن ينتهي من نقط المصحف، خاصة أن الروايات تؤكد أن الكاتب على درجة عالية من الفطنة والفهم.
والمفهوم من الروايات السابقة أن أبا الأسود لم يعالج حركات بنية الكلمة، واكتفى بضبط أواخر الكلمات بالنقط التي وضعها لتدل على الحركات الثلاث، وقد يكون هذا الصنيع مصداقا لقول أبي الطيب اللغوي «إن أول ما اختلّ من كلام العرب فأحوج إلى التعلم الإعراب» [1] . ذلك لأن حركة أواخر الكلم تتغير تبعا لتغير موقع الكلمة في الجملة، ومن ثم فإن احتمال وقوع الخطأ في تحديد نوعها أكبر من احتمال وقوعه في حركات بنية الكلمة [2] . وسنتابع طريقة النقط المدور التي أرسى أسسها الدؤلي في المصاحف المخطوطة بعد أن نشير إلى الطريقة الأخرى لذلك.
لم يكن من اليسير على نساخ الكتب المصنفة في علوم العربية والعلوم الإسلامية وما جد من علوم أخرى استخدام طريقة النقط المدوّر في ضبط الكلمات فيما يكتبون لأنها تحتاج إلى لونين من المداد، واحد لرسم الحروف وآخر لنقط الحركات، وربما أمكن استخدام مداد واحد قبل استخدام نقط إعجام الحروف في الكتابة، ولكن بعد ذلك الاستخدام أصبح من العسير تمثيل الحركات بنقط من نفس مداد الكتابة، ويبدو أن الأمر
وما بعدها، وانظر أيضا الفخر الرازي: ج 1، ص 16.
(1) مراتب النحويين، ص 5، وانظر أبو بكر الزبيدي: ص 1.
(2) وقد ذهب بعض المحدثين (انظر د. كمال محمد بشر: دراسات في علم اللغة، ق 2، ص 8887، ود. تمام حسان: اللغة العربية معناها ومبناها، ص(1211) إلى أنه لا نستطيع بحال أن نحدد السابق أو اللاحق منهما في وقوع اللحن فيه، وبمعزل عن موضوع ترتيب علوم العربية فإني أميل إلى الاعتقاد بأن احتمال وقوع اللحن في حركات الإعراب هو أسبق من احتمال وقوعه في حركات بنية الكلمة لأن حركات الإعراب عرضة للتغير الدائم بحيث لا يمكن ضبط قواعدها بسهولة.