إن ظاهرة الاختيار والعوامل التي أسهمت في توجيهها في إطار ما وافق خط المصحف تنقلنا إلى الكلام عن الضوابط التي اشترطها علماء القراءة، في أية قراءة، لكي تكون مقبولة تصح روايتها، وكيف صارت موافقة الخط الأساس الأول لقبول لقراءات المروية أو تركها، ولا شك أن القراءة إذا لم تنقل وتصح روايتها لا تسمى قراءة سواء وافقت الرسم أم خالفته «بل مكذوبة يكفر معتمدها» [1] . وبعد نسخ المصاحف العثمانية ونشرها في الأمصار تركت القراءة بما خالفها من حروف. وهكذا صارت صحة الرواية وموافقة الخط أهمّ شرطين لقبول القراءة، وقد لاحظنا من قبل أن من مسوغات الاختيار بين القراءات المروية الموافقة للرسم قوة الوجه في العربية، فصارت هذه الأركان الثلاثة شرطا لقبول القراءة وصحة روايتها، وميز العلماء بين ما توافرت فيه هذه الضوابط من القراءات وما عداها.
وأركان القراءة الصحيحة الثلاثة لم تكن من صنع المتأخرين، بل وجدت من يوم تلقّى الصحابة رضوان الله عليهم القرآن الكريم عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن يوم خطّت المصاحف العثمانية وأرسلت إلى الأمصار، وكان هذان المقياسان صحة الرواية وموافقة الخط يعملان في توجيه نقل القراءات منذ زمن مبكر قبل أن يبدأ التأليف وتدوين القراءات في الكتب، وقبل أن ينظر علماء العربية في اللغة، ويقعّدوا قواعدها، وربما برزت بشكل منظم مع بداية التأليف في القراءات التي لا تخرج عن خط المصحف، وينقل أبو بكر الأنباري أن أبا عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) قد بيّن اختياره في الوقف على ما رسمت فيه هاء السكت بقوله [2] : «الاختيار عندي في هذا
(1) ابن الجزري: منجد المقرئين، ص 17، وانظر أيضا: ص 18.
(2) إيضاح الوقف والابتداء، ج 1، ص 311.