فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 692

وكانت مظاهر تلك الحالة أشد وضوحا في خلافة عثمان بن عفان، وتعطي الروايات

صورا مختلفة لذلك الخلاف، في القراءة، وعلى مستويات متعددة. فمن ميدان الحرب واختلاف الجند إلى ميدان التعليم واختلاف المعلمين وتلاميذهم. ويبدو أن حالات تنازع المسلمين في قراءة كلمات من القرآن قد تكاثرت أخبارها على مسامع الخليفة وكبار الصحابة، مما جعلهم يفكرون في الوسائل التي يمكن بها تفادي النتائج الخطيرة التي يمكن أن تترتب على مثل ذلك الخلاف.

كانت الكوفة التي نزلها الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود معلما وفقيها من أكثر الأمصار الإسلامية التي تشير الروايات إلى وقوع اختلاف في القراءة فيها، فينقل ابن حجر أن عمر أنكر على ابن مسعود قراءته (عتى حين) ، أي (حتى حين) وكتب إليه:

إن القرآن لم ينزل بلغة هذيل، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، وكان ذلك قبل أن يجمع عثمان الناس على قراءة واحدة [1] . ويروي ابن أبي داود «أن ناسا كانوا بالعراق، يسأل أحدهم عن الآية، فإذا قرأها قال فإني أكفر بهذه، ففشا ذلك في الناس، واختلفوا في القرآن» [2] .

ورواية الزهري عن أنس بن مالك في نسخ المصاحف سترد بعد قليل تشير إلى اختلاف أهل العراق وأهل الشام في القراءة، وهم في غزوة في بقاع أرمينية وأذربيجان، مما دفع حذيفة بن اليمان (ت 36هـ) إلى التوجه إلى دار الخلافة يدعو إلى وضع حد لذلك الخلاف. ويروي ابن الأثير في الكامل [3] : أن حذيفة بن اليمان خرج إلى جهة أذربيجان ومعه سعيد بن العاص، فلما رجعا قال حذيفة لسعيد: لقد رأيت في سفرتي هذه أمرا لئن ترك الناس ليختلفنّ في القرآن ثم لا يقومون عليه أبدا. قال: وما ذاك؟

قال: رأيت أناسا من أهل حمص يزعمون أن قراءتهم خير من قراءة غيرهم، وأنهم أخذوا القراءة عن المقداد، ورأيت أهل دمشق يقولون إن قراءتهم خير من قراءة غيرهم، ورأيت أهل الكوفة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرءوا على ابن مسعود، وأهل البصرة يقولون مثل ذلك، وأنهم قرءوا على أبي موسى، ويسمون مصحفه (لباب القلوب) . فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول

(1) فتح الباري، ج 10، ص 402.

(2) المصاحف، 23. وانظر العز بن عبد السلام: الفوائد، ص 26.

(3) ج 3، ص (5655) . وانظر ابن خلدون: مج 2، ص 1019.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت