وليس من اليسير هنا أن نتابع مثل ذلك التطور في كل ما كتب بالياء من الفتحات الطويلة في الرسم العثماني، ونرجع بها إلى أصلها اليائي، ولو أن عامتها تظهر الياء في بعض صيغها، ولكنا سنعتبر هذا التفسير للظاهرة شاملا لكل الكلمات التي جاءت فتحاتها الطويلة مرسومة بالياء، سواء كان مما قال فيه العلماء إنه من ذوات الياء أم من ذوات الواو [1] ، من الثلاثي أو من غيره، على أساس أن كل ما جاء مرسوما من ذلك بالياء كان في يوم ما ينطق ياء، وكتب بالياء لذلك ولكن حدث تطور في النطق لم يصاحبه تطور في الكتابة، فتولدت لدينا تلك الظاهرة التي برزت في الرسم العثماني في عشرات الكلمات.
ومع أن هذا التفسير استنتاج من خلال تتبع بعض الأمثلة في صيغها المتعددة إلا أن تأمل رسم الكلمات التي جاءت فتحاتها الطويلة مرسومة ياء، ومقارنة ذلك بطريقة الرسم العثماني في تمثيل كل من الكسرة والضمة الطويلتين، يتضح أن هذه الياء التي هي في النطق الآن فتحة طويلة كانت في أصل وضعها تنطق ياء، فرسمت لذلك بالياء.
وقبل أن نفصل القول في هذه الفكرة نشير إلى نص صفوي درسه المستشرق الألماني (أنوليتمان) ، ولاحظ فيه أن كلمة (شتا) جاءت مرسومة في ذلك النص هكذا (ش ت ى) ، وحاول ليتمان أن يوضح أصل تلك الصورة الخطية فقال [2] : «وبيان ذلك أن الفعل الناقص له في الصفوية صيغة واحدة فقط، وهي أن لامه دائما ياء، وهذا التغيير نصادفه في لهجات سامية كثيرة، ويتضح لنا أيضا أن الفعل الناقص يصرف في الصفوية مثل الفعل السالم أي شتي أو شتي (و) لو كان لفظه شتا لكتب (ش ت) كما يكتب (ع ل) بمعنى على و (أل) بمعنى إلى» ، ويمكن الإفادة هنا من ملاحظة أن الفعل الصفوي
طويلة، وهذا الموضوع أوسع من أن نتمكن من مناقشته تفصيلا هاهنا، وإنما نكتفي بالقدر الذي يوضح ظاهرة رسم الفتحة الطويلة ياء في الأمثلة المذكورة،(وانظر د. كمال محمد بشر:
دراسات في علم اللغة، ق 2، ص 118116).
(1) إن الكلمات الست التي قال عنها علماء السلف إن أصلها الواو، وكتب بالياء، تتميز بأن أكثرها واوية يائية (الضحى زكى طحى تلى دحى) وبعضها واوي إلا أن الياء تظهر في بعض صيغة (سجى) (انظر مواد هذه الكلمات في تاج العروس شرح القاموس لمرتضى الزبيدي) ، وهذا الأصل اليائي يوضح لنا رسم الفتحة الطويلة فيها بالياء.
(2) لهجات عربية شمالية قبل الإسلام، ج 3، ص 250.