«وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، أو أن تكون غلطا من الكاتب، كما ذكرت عائشة رضي الله عنها فإن كانت على مذاهب النحويين فليس هاهنا لحن، بحمد الله، وإن كانت خطأ في الكتاب فليس على الله ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم جناية الكاتب في الخط، ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف من طريق التهجي، فقد كتب في الإمام إن هذن لسحرن [طه: 63] بحذف ألف التثنية، وكذلك ألف التثنية تحذف في هجاء هذا المصحف في كل مكان، مثل قال رجلن [المائدة: 23] وآخرن يقومن مقامهما [المائدة: 107] وكتبت كتاب المصحف: الصلاة والزكوة والحيوة بالواو، واتبعناهم في هذه الحروف خاصة، على التيمن بهم، ونحن لا نكتب القطاة والقناة والفلاة إلا بالألف، ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه، وكتبوا الربوا بالواو، وكتبوا {فَمََا لِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [المعارج: 36] فمال بلام مفردة وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه» [1] .
وموقف ابن قتيبة هذا يفسر لنا ما نسبه إلى الصحابة رضوان الله عليهم من الجهل بالكتابة والغلط في الهجاء حين تحدث عن معرفة عبد الله بن عمرو بن العاص بالكتابة، وإذن النبي صلى الله عليه وسلم له بأن يكتب الحديث، يقول [2] : «وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي» ، ومقارنة ابن قتيبة بين كتابة الصلاة والزكاة والحياة بالواو وكتابة القطاة والقناة والفلاة بالألف، وقوله:
ولا فرق بين تلك الحروف وبين هذه في اللفظ طبعا دليل على سيطرة فكرة (الأصل في الكتابة موافقة الخط للفظ) على وجهة نظر ابن قتيبة، إضافة إلى إهماله الجانب التاريخي لرسم تلك الكلمات، وما قد تكون مرت به من ظروف الاستخدام والانتقال من بيئة إلى أخرى، وهذه هي الغلطة الكبيرة التي وقع فيها أكثر الباحثين في الكتابة العربية عامة ورسم المصحف خاصة، سواء في ذلك من حاول إيجاد تعليل لتلك
(1) رد ابن فارس (ص 11) ما ذهب إليه ابن قتيبة في هذا الصدد وهو يتحدث عن معرفة القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية، ويستدل على ذلك بكتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء والهمز والمد والقصر بقوله: «وما بحسن قول ابن قتيبة في أحرف ذكرها، وقد خالف الكتاب المصحف في هذا» .
(2) تأويل مختلف الحديث، ص 366.