فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 692

الوجوه أم من قال بغلط الكاتب فيها.

وكان ابن خلدون (ت 808هـ) أهم من ادعى بعد ابن قتيبة دعوى وقوع الغلط من الصحابة حين رسموا المصاحف [1] ، وهو بيني مذهبه على أن أهل الحجاز أخذوا الكتابة من حمير وهو ما ينفيه البحث الحديث كما بيّنا ذلك في الفصل التمهيدي إلا أنهم لم يكونوا مجيدين لها شأن الصنائع إذا وقعت بالبدو، ثم يقول [2] : «فكان الخط العربي لأول الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة، ولا إلى التوسط، لمكان العرب من البداوة والتوحش وبعدهم عن الصنائع، وانظر ما وقع لأجل ذلك في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم، وكانت غير مستحكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها، ثم اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبركا بما رسمه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم وخير الخلق من بعده المتلقون لوحيه من كتاب الله وكلامه، كما يقتفى لهذا العهد خط ولي أو عالم تبركا، ويتبع رسمه خطأ أو صوابا، وأين نسبة ذلك من الصحابة فيما كتبوه، فاتبع ذلك، وأثبت رسما، ونبه العلماء بالرسم على مواضعه» ثم يقول أيضا [3] : «ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه، ويقولون في مثل زيادة الألف في (لا أذبحنه) : أنه تنبيه على أن الذبح لم يقع، وفي زيادة الياء في (بأييد) أنه تنبيه على كمال القدرة الربانية، وأمثال ذلك مما لا أصل له إلا التحكم المحض، وما حملهم على ذلك إلا اعتقادهم أن في ذلك تنزيها للصحابة عن توهم النقص في قلة إجادة الخط، وحسبوا أن الخط كمال فنزّهوهم عن نقصه، ونسبوا إليهم الكمال بإجادته، وطلبوا تعليل ما خالف الإجادة من رسمه، وذلك ليس بصحيح» ، ثم يستمر ابن خلدون في بيان أن الخط ليس بكمال في حق الصحابة لأن الخط من جملة الصنائع المدنية المعاشية، والكمال في الصنائع إضافي، وليس بكمال مطلق، إذ لا يعود

(1) يفهم من قول ابن كثير (ت 774هـ) أن الكتابة لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدا وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى،(انظر:

فضائل القرآن، ص 51)أنه يميل إلى الأخذ بهذا المذهب أيضا.

(2) تاريخ ابن خلدون، مج 1، ص 757. وانظر أيضا: مج 1، ص 791.

(3) تاريخ ابن خلدون، مج 1، ص (758757) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت