على الذات في الدين ولا في الخلال، وإنما يعود إلى أسباب المعاش، وبحسب العمران والتعاون عليه، لأجل دلالته على ما في النفوس.
ولا ينبغي أن ننخدع بما في كلام العلامة ابن خلدون رحمه الله من الجدية والصراحة والتحليل، فمع أنه مصيب في قوله: إن أكثر الأوجه التي سيقت في تعليل مخالفة الرسم في بعض الكلمات المبنية على أساس اختلاف المعاني خاصة لا أصل له إلا التحكم المحض، ومع صدق الواقع فيما كان من بعض العلماء من مذاهب، تنزيها للصحابة من أن ينسب إليهم الخطأ في الرسم، فإنه غير مصيب إطلاقا في تصوره لحالة الكتابة العربية لأول الإسلام، فلا يعني ضعف القدرة على إجادة كتابة الحروف والتفنن في رسمها في حواضر الحجاز إن صح ما ذهب إليه في ذلك أن الكتابة عندهم كانت عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات اللغة، أو مضطربة في تمثيل أصواتها، فقد كانت الكتابة العربية قد عاشت تجربة طويلة من الاستعمال الواسع في أطراف الجزيرة قبل أن تدلف إلى الحجاز، قبل الإسلام بقرن أو قرنين من الزمن [1] ، وإذا كانت قد عانت من وحشة البداوة في الحجاز فإن ذلك لم تجاوز صورة الحرف وأداة الكتابة. وسنجد أن الوجوه المخالفة التي أقلقت العلماء على مدى القرون يمكن أن تكون دليلا قويا على رهافة الحس اللغوي عند الصحابة الذين تولوا كتابة القرآن العظيم، عند ما حاولوا تدوين الظواهر الصوتية التي كانوا يحسونها عند التلاوة مع المحافظة على صورة الكلمات القديمة، فجاء الرسم محافظا على صور الكلمات المعهودة وممثلا للعناصر الصوتية الجديدة وسيأتي ذلك مفصلا في الفصل التالي إن شاء الله.
ونحس من قراءة كلام ابن خلدون أنه كان يتصور بأن هناك نظاما للكتابة في أول الإسلام خاصا بأهل الصناعة من الكتاب وأهل الخط غير الذي جاء في المصحف، وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد قصرت هممهم عن إجادة استخدام ذلك النظام الكتابي، فوقع نتيجة لذلك ما جاء في المصحف من وجوه عدت في الفترات اللاحقة مخالفة لقواعد أهل الصناعة، وهو بهذا قد وقع في ما وقع فيه غيره من محاولة النظر إلى الرسم المصحفي من خلال القواعد التي وضعها علماء العربية بعد نسخ المصاحف
(1) انظر (ص 5641) من الفصل التمهيدي.