فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 692

بعشرات السنين، وهم حين وضعوها لم يفعلوا أكثر من أنهم درسوا الرسم المصحفي وحاولوا إخضاع الظاهرة الواحدة التي كتبت بأكثر من صورة لقاعدة واحدة، بل إنهم في بعض الحالات خرجوا على وحدة القاعدة في رسم المصحف وجعلوا الظاهرة الواحدة ربما لواقع عملي تخضع لقاعدتين، فرسم الألف ياء في الكلمات التي جاءت في المصحف كان يشمل كافة الكلمات التي وقعت فيها الألف متطرفة أم متوسطة باتصالها بشيء من ضمير أو نحوه. لكن علماء العربية مزقوا هذه القاعدة المطردة، وجعلوا الظاهرة تخضع لقاعدتين: الأولى: رسمها ياء في حالة تطرفها في كلمات معينة والثانية: رسمها ألفا في تلك الكلمات في حالة توسطها، وسنحاول في المبحث الأخير من الدراسة بيان مدى أثر الرسم المصحفي على قواعد علماء العربية التي وضعوها للإملاء، لا العكس، كما يحاول أن يفعل كثير من الباحثين حين يدرسون الرسم على ضوء قواعد الإملاء [1] .

وقد كان لهذا الاتجاه في دراسة الرسم المصحفي صداه القوي في مواقف كثير من المحدثين مما في الرسم من كلمات جاءت مرسومة بأكثر من صورة أو رسمت بطريقة تبعث على التأمل في سر ذلك الرسم، وإذا كان سلفنا الصالح من علماء الأمة الذين ذهبوا ذلك المذهب قد عصمهم إيمانهم عن الخطل في القول، فعبروا بأسلوب العالم الأمين المخلص لكتاب ربه المجلّ لحملته وكاتبيه عما وصل إليه علمهم وبلغه اجتهادهم في فهم تلك القضية فإن طائفة من المحدثين تنسب إلى العلم أطلقت ألسنتها تصف الرسم بما نجلّ الرسم والصحابة الذين كتبوه عن مجرد ذكره، وهو إن دل على شيء، فإنما يدل على الجهالة في العلم والبلادة في الذهن والقصور في الإدراك، إن لم يدل على سوء النية وخبث القصد والعداء لكتاب الله العزيز [2] .

(1) ردد كلام ابن خلدون الدكتور علي عبد الواحد وافي: فقه اللغة، ص 250. والشيخ عبد الجليل عيسى: المصحف الميسر، ط 4، دار الشروق، 1969، ص (ي) من المقدمة.

(2) انظر مثالا لذلك المنهج الضال عبد العزيز فهمي: الحروف اللاتينية لكتابة العربية، القاهرة، مطبعة مصر 1944، انظر مثلا (ص 21) حيث يصف كتابة المصاحف بأنها (بدائية سقيمة قاصرة) ، و (ص 23) حيث يصف الرسم بأنه سخيف. والمثال الآخر لذلك المنهج الضال: ابن الخطيب (محمد محمد عبد اللطيف) : الفرقان، ط 1، القاهرة، دار الكتب المصرية 1948، فقد سودت صفحات كتابه بكلام من مثل قوله (ص 57) «لما كان أهل العصر الأول قاصرين في فن الكتابة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت