المراكشي على النحو الذي رأينا طرفا منه في تعليل الأمثلة المتقدمة، وقد نقل الزركشي بنفس الأسلوب تعليل حذف النون في الفعل {يَكُ} * في قوله تعالى: {أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً (37) } [القيامة] ، وكتابة الألف واوا في مثل {بِالصَّلََاةِ وَالزَّكََاةِ} *، وكتابة تاء التأنيث مبسوطة في بعض الكلمات. وما جاء من الكلمات موصولا في بعض المواضع ومفصولا في أخرى [1] . وختم الزركشي الموضوع بفصل في حروف متقاربة تختلف في اللفظ لاختلاف المعنى مثل {وَزََادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ (247) } [البقرة] ، {وَزََادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً (69) } [الأعراف] و {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشََاءُ (26) } * [الرعد] ، {وَاللََّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ (245) }
[البقرة] ، فبالسين السعة الجزئية، كذلك علة التقييد، وبالصاد السعة الكلية بدليل علو معنى الإطلاق، وعلو الصاد مع الجهارة والإطباق [2] .
وقبل مناقشة هذا الاتجاه نشير إلى أن أبا العباس المراكشي كان ذا ميل شديد إلى العلوم الرياضية والعقلية يتجلى ذلك في مؤلفاته الكثيرة في الفلسفة والمنطق والفلك والأصول، ثم إنه ذو اتجاه صوفي وجداني دفعه إلى الانقطاع مدة عن أكل ما فيه روح، وأصيب بحالة عصبية فحجب في بيته سنة وتعافى [3] ولا نريد من هذا البيان الموجز إلا الإشارة إلى نواحي شخصيته وثقافته ونزعته إلى الاستبطان والتأمل الذاتي، ولا شك في أنه من خلال ثقافته وشخصيته تلك استطاع أن يصل إلى ذلك التفسير الباطني لظواهر الرسم.
ورغم الصورة المنطقية التي يعرض فيها المراكشي مذهبه فإن هذا الاتجاه بعيد كل البعد عن طبيعة الموضوع، فلم يدر في خلد الصحابة رضوان الله عليهم شيء من تلك المعاني التي يحاول أبو العباس المراكشي أن يعلل بها رسم الكلمات في المصحف في صورة فلسفية باطنية [4] ، فقد كانوا مشغولين بمعاني القرآن الناصعة وآياته المحكمة عن تلك المعاني الفلسفية الباطنية الغامضة البعيدة عن روح الوضوح واليسر، والتي يحتاج فهمها إلى لون معين من ألوان الثقافة، ولم يكن الهدف الأول لتسجيل النص
(1) انظر: ج 1، ص 407، وص 409و 410وص (423417) .
(2) انظر: ج 1، ص (430429) .
(3) انظر: الزركلي، ج 1، ص (214213) .
(4) انظر د. رمضان عبد التواب: ص 157.