أما الآيتان {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلََاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكََاةَ (162) } [النساء] و {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هََادُوا وَالصََّابِئُونَ (69) } [المائدة] فقد اتفق الجمهور على قراءة {وَالْمُقِيمِينَ} بالياء منصوبا على نحو ما هو مرسوم إلا رواية يونس وهارون عن أبي عمرو لها بالواو [1] ، وقراءة عاصم الجحدري لها بالواو كذلك، مع محافظته على رسمها بالياء [2] . واتفقوا كذلك على قراءة {الصََّابِئُونَ} بالواو على نحو ما هو مرسوم إلا ابن محيصن فقد قرأها بالياء [3] ، والجحدري كذلك [4] ، وما دامت قراءة العامة قد جاءت موافقة للرسم على هذا النحو وقد تواترت عن القراء فلا مجال إذن للكلام هنا عن الخطأ في الرسم أو القراءة، خاصة أن النحاة قد تكلموا على ما في الآيتين من تخالف إعرابي، ووجهوا ذلك بوجوه كثيرة [5] ، رغم أن القراءة إذا صحت روايتها لا ينظر في موافقتها قواعد النحاة، ولا يطلب لها التعليل والمثال من كلام العرب، فصحة روايتها هي نفسها أقوى في الدلالة على علوها في الفصاحة والعربية من التماس قول مجهول أو شعر منحول لتوجيهها، وما أجلّ قول الفخر الرازي في هذا المعنى حين يقول [6] : «إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم أولى، وكثيرا ما ترى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقها دليلا على صحتها فلأن يجعلوا القرآن دليلا على صحتها كان أولى» .
وعلى ذلك فإن حديث عروة يمكن أن يجمل على ما ذهب إليه ابن أشتة ورواه الداني من أن معنى الخطأ هو أنهم أخطئوا في اختيار الأولى من الأحرف السبعة بجمع الناس عليه، لا أن الذي كتبوا من ذلك خطأ لا يجوز لأن ما لا يجوز مردود بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه، وعظم قدر موقعه، ويقول الداني بعد أن ناقش ما ورد في دلالة
(1) انظر الدمياطي، ص 196.
(2) ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن، ص 36. وابن خالويه: مختصر في شواذ القرآن من كتاب البديع، مصر، المطبعة الرحمانية، 1934، ص 30.
(3) الدمياطي، ص 202.
(4) ابن قتيبة: المصدر السابق، ص 36.
(5) انظر السيوطي: الإتقان، ج 2، ص (274273) ، وانظر أيضا أبو حيان: ج 3، ص (396و 531) .
(6) نقلا عن د. عبد الفتاح إسماعيل شلبي: الإمالة، ص 309.