نحو ما يقفون عليها، لكن الكتابة كما ذكرنا في أكثر من مكان من هذا البحث، أقل استجابة لتمثيل الظواهر الجديدة في اللغة، وتميل إلى الاحتفاظ بصور الكلمات على حالتها رغم ما قد يطرأ عليها من تطور في النطق، فظلت تاء التأنيث ترسم تاء حتى في الوقف لكنها على المدى الطويل بدأت تستجيب للظاهرة الجديدة التي ربما بدأت تدخل مرحلة أخرى من التطور، وتعطينا الكتابة النبطية والكتابة العربية القديمة مؤشرات لمراحل ذلك التطور، فقد كانت الأسماء المؤنثة تكتب في النبطية بالتاء في معظم الأحوال مثل: خلت (خالة) ، ويلت (وائلة) ، غزلت (غزالة) ، ملكت (مليكة) ، ريفت (رائفة) إلخ [1] وترينا بعض النقوش النبطية التي ترجع إلى القرن الثالث والرابع الميلاديين كلمة (سنة) مكتوبة بالتاء (سنت) [2] كذلك نجد هذه الكلمة بالتاء في نقش حران (سنة 568م) ونقش القاهرة (سنة 31هـ) ، ومما يلفت النظر في نقش القاهرة أنه بينما يحتفظ بهذا الشكل القديم لطريقة كتابة تاء التأنيث يقدم لنا في نفس الوقت الشكل الجديد وهو كتابتها بالهاء في كلمة (رحمة) .
وبناء على ذلك يمكن القول بأن رسم تاء التأنيث بالتاء في تلك الكلمات المشار إليها يحتمل أن يكون احتفاظا بالصورة القديمة لرسم تلك الكلمات وهو ما أرجحه رغم أن الاستعمال قد تجاوز المرحلة التي استندت إليها تلك الصورة، ويحتمل أنها تمثل نطقا حيا لتلك الظاهرة التي تحتفظ بالتاء في حالة الوقف، إلا أن ذلك كله لا يمنع أن يكون الكاتب جرى في كتابة تلك الكلمات على وصل الكلام حيث تلفظ بالتاء ومع أنه من غير اليسير القطع هنا بأحد هذه الاحتمالات إلا أنه يجب أن يكون فهم تلك الظاهرة من خلال الإطار الذي يرسمه التطور التاريخي لها.
وقد اختلف في حقيقة الهاء التي تخلف تاء التأنيث في الوقف، فمن الباحثين من يذهب إلى أن هذه الهاء ما هي إلا امتداد للنفس مع فتحة تاء التأنيث التي تسقط في الوقف لأن العرب تنفر من الوقف على الفتحة، وسقوطها يجعل صيغة المؤنث تلتبس بصيغة المذكر، فأبقوا عليها لكن مع امتداد النفس، فظهر كأنما هو صوت الهاء، وخيّل
(1) انظر د. جواد علي: ج 7، ص 301.
(2) انظر خليل يحيى نامي: ص 66نقش 17، وص 67نقش 18، وص 67نقش 19، وص 70نقش 21، وص 71نقش 22، وهو نقش النمارة المؤرخ سنة 328.