أيضا [1] : «العرب قد تحذف الياء وتكتفي بكسر ما قبلها منها» .
وكما كان تناسب الفواصل أو رءوس الآي عند الوقف عاملا في زيادة أصوات على آخر بعض الكلمات مثل (السبيلا وحسابيه) ، كان أيضا سببا في حذف أو تقصير أصوات الحركات في أواخر بعض الكلمات في الوقف خاصة، وقد استجاب لذلك كتبة المصاحف، فحذفوا رمز الكسرة الطويلة في معظم ما جاء من ذلك في رءوس الآي، يقول سيبويه [2] : «وجميع ما لا يحذف في الكلام، وما يختار فيه أن لا يحذف، يحذف في الفواصل» ثم يقول «وهذا جائز عربي كثير» .
وقد جرى حذف رمز الكسرة الطويلة في الفواصل سواء أكانت علامة للضمير مسبوقة بالنون في الأفعال أم كانت علامة للضمير متصلة بالأسماء أم كانت لاما للكلمة في اسم أو فعل، فمثال ما كانت فيه علامة للضمير في الأفعال قوله سبحانه: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذََا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) }
[الشعراء] ، ومما يلفت النظر هنا أن ثلاثا من هذه الآيات قد تضمنت ياءين للضمير، فما كان من ذلك في حشو الآية فقد ثبت (خلقني، يطعمني، يميتني) ، وما كان في رأس الآية فقد حذف رمز الياء منه (يهدين، يشفين، يحيين) ، وفي هذا دليل واضح على أن للوقف على رءوس الآيات وطلب التناسب فيها أثرا في عدم إثبات رمز الكسرة الطويلة، ودليل على أن ذلك الحذف إنما هو صدى لسقوطها في النطق، والأمثلة على هذه الظاهرة كثيرة، فتأمّل مثلا كيف تعاقبت كلمات الفواصل منتهية بالواو والنون في هذه الآيات: {وَلََا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) } * {هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ (39) } * {فَارْهَبُونِ (40) } * {فَاتَّقُونِ (41) } * {تَعْلَمُونَ (42) } * [البقرة] ، وتأمل أثر الوقف على الفاصلة في حذف صوت الكسرة الطويلة من اللفظ في {فَارْهَبُونِ} *، {فَاتَّقُونِ} * وأثر ذلك في حذف صورتها من الخط.
وأما أمثلة حذف الكسرة الطويلة التي هي علامة للضمير، وجاءت متصلة بالأسماء، بسبب الوقف على الفاصلة فقوله سبحانه: {بَلْ لَمََّا يَذُوقُوا عَذََابِ (8) } {الْوَهََّابِ (9) } * {عِقََابِ (14) } * [ص]
(1) معاني القرآن، ج 3، ص 260.
(2) الكتاب، ج 2، ص 289. وانظر أيضا الفرّاء: معاني القرآن، ج 3، ص 260. وابن يعيش: ج 9، ص 78.