و {فَلََا تُنْظِرُونِ} *، و {لََا تَقْرَبُونِ} ونحوه، قد يكون ذلك الحذف الذي هو إتباع للفظ ناتجا عما يصاحب صيغة النداء أو الأمر أو النهي من سرعة النطق بمقاطع الكلمة مما يسبب سقوط الحركات النهائية أو تقصيرها، كما قصرت في الفعل المضارع المجزوم أو فعل الأمر وحذفت في الخط من مثل (اخش، ادع، ارم) ، فحذف رمز الكسرة الطويلة بسبب ما لحقها من تقصير، ولعل مما يشبه ذلك ظاهرة حذف الألف من (ما) حين تكون استفهاما، وقد دخل عليها حرف جر في مثل (بم، عم، فيم، لم، مم) فيبدو أن ما يصاحب صيغة الاستفهام من تنغيم خاص يحتم تتابع المقاطع بسرعة قد ساعد على سقوط الفتحة الطويلة من (ما) في اللفظ فجرى الخط على اللفظ [1] .
وهذا التفسير لا يزال يحتاج تأكيده إلى دراسة وبحث، خاصة أنا نجد بعض الأمثلة جاءت فيها الياء ثابتة في الرسم مثل [2] : {وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ (150) } [البقرة] ، و {فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللََّهُ (31) } [آل عمران] ، و {فَكِيدُونِي جَمِيعًا (55) } [هود] ، و {فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ (43) } [مريم] ، و {فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) } [طه] ، ولكن علينا أن نتذكر أن هذه الأمثلة قد جاءت في وسط الآي مما قد يكون ساعد على الاحتفاظ بلفظ الكسرة الطويلة أو أن الرسم جرى في ذلك على إثبات رمز الكسرة لأنها كلمة فهي ضمير المتكلم وقد وقعت موقع
(1) يقول برجشتراسر (التطور النحوي، ص 42) : «وأكثر أنواع تقصير الحركات الممدودة اتفاقي، منه تقصيرها في أواخر الكلمات، فإنا نرى الحركة الممدودة الانتهائية في بعضها قد تحافظ على الامتداد نحو بما وفيما ولما. وقد تقصر نحو بم وفيم ولم» . والحقيقة أن هذا التقصير في الأمثلة المذكورة ليس اتفاقيا، ويبدو أن الملاحظة قد خانت المستشرق الكبير، وذلك لأن تقصيرها في نحو (بم وفيم ولم) خاضع لموقع (ما) في الكلام فإذا كانت استفهامية متصلة بحرف الجر فإنها تقصر دائما، ولا تقصر في ما عدا ذلك، حين تكون موصولة أو مصدرية، كما يدل على ذلك الرسم العثماني بكل وضوح، وكما هو مشهور في لغة العرب. فقد نص علماء العربية أن حذف ألف (ما) الاستفهامية المجرورة مقيس مطرد (انظر السيوطي: همع الهوامع، ج 2، ص 217) لكن علة حذف الألف عندهم (الفرق بين الاستفهام والخبر) (انظر ابن هشام:
عبد الله بن يوسف الأنصاري: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، القاهرة، مكتبة محمد علي صبيح، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (د. ت) ج 1، ص 299). ولكن إذا كان ذلك صحيحا فلماذا خصت الاستفهامية بالحذف دون الخبرية؟!
(2) انظر المهدوي: ص (114112) . والداني: المقنع، ص (4645) .