والهمزة في غير أول الكلمة يخلفها عند التخفيف صوت لين أو حركة طويلة كما مر بيان ذلك فإذا اقترن بالرمز الذي يمثل الصوت المتخلف عن سقوط الهمزة رمز آخر مثله سواء أكان يمثل أحد صوتي اللين: الواو أو الياء، أم يمثل حركة طويلة سرى على الرمزين أثر هذه الظاهرة وحذف أحدهما، يقول أبو داود سليمان بن نجاح، أشهر
تلامذة الداني وأجلّهم: إن الهمزة المفتوحة لا ترسم إذا وقع بعدها ألف، ولا المكسورة إذا وقع بعدها ياء، ولا المضمومة إذا وقع بعدها واو لئلا يجتمع في الكتابة ألفان وياءان وواوان [1] . وكذلك إذا وقعت الهمزة المفتوحة بعد ألف والمكسورة بعد ياء والمضمومة بعد واو، كراهة توالي صورتين متفقتين في الرسم [2] .
ومع اطراد أثر هذه الصورة فإن بعض الكلمات جاءت مرسومة بإثبات الرمزين معا مثل (هيى، يهيى، السيى) فإنها رسمت بياءين [3] ، ويذكر الداني أنه وجد في مصاحف أهل المدينة والعراق وفي غيرها (سيئة والسيئة) حيث وقعتا و (سيئا) (9/ 102) مرسومة بياءين، لكنه يشير إلى أنه وجد جمع (سيئة) من مثل (السيئات سيئات سيئاتكم سيئاتهم سيئاته) مرسوما بياء واحدة في جميع القرآن [4] ، وليس بين المفرد والجمع من فرق في اللفظ سوى أن الفتحة التي تلي الهمزة قصيرة في المفرد وطويلة في الجمع، ولكن قد رسم الجمع في مصحفي طشقند وجامع عمرو بياءين مثل المفرد إلا أن الألف التي هي رمز الفتحة الطويلة في الجمع قد جاءت محذوفة في الغالب، ففي مصحف طشقند رسمت كلمة (السيئات) في النحل (16/ 45) والشورى (42/ 25) بياءين، لكن الألف جاءت محذوفة في الموضع الأول (السييت) وثابتة في الثانية (السييات) . وفي مصحف جامع عمرو رسمت كذلك بياءين في العنكبوت (29/ 4) السّيّيت وفي الزمر (39/ 50مرتين) سيّيت وفي الشورى (42/ 25) السّيّيت وفي الفتح (48/ 5) سيّيتهم إلا أنا نجد المصحفين يقدمان صورة هجاء المفرد بطريقة معكوسة، فقد رسم بياء واحدة، في مصحف طشقند في {سَيِّئَةً} * البقرة (2/ 81) وآل عمران (3/ 12) و {بِالسَّيِّئَةِ} * (الأنعام 6/ 160) ونجد في مصحف جامع عمرو نفس الظاهرة في يونس (10/ 27) {سَيِّئَةً} *. ونجد أغرب صورة هجائية يقدمها مصحف طشقند هي صورة هجاء كلمة (كهيئة) في آل عمران (3/ 49) إذ إنها جاءت مرسومة بياءين (كهيية) .
ويبدو أن رمز الألف أكثر استجابة لهذه الكراهة، سواء كان رمزا للهمزة أم للفتحة
(1) انظر: التنزيل، لوحة 5. والمارغني: ص 237.
(2) انظر الداني: المحكم، ص 172. والشيرازي: لوحة 20.
(3) الداني: المقنع، ص 52.
(4) انظر: المقنع، ص 50. والمارغني: ص 238و 241.